تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٨٦ - لم يقل أنزلنا
و آله حتى في النشأة الأخرى، كما أن الإمام عليه السّلام يرى أعمال الخلائق، و يلاحقها، و يتعاطى معها، من موقع البصير الخبير، و العارف بالداء و الدواء.
و قد كان تنزيل القرآن سورة سورة، ثم نزوله على سبيل التدريج حين تحقّق ما تنطبق عليه الآيات، يؤكّد للناس أن هذا القرآن هو من عند عالم الغيب و الشهادة، فيكون ذلك قاهرا لعقولهم، و موجبا لخضوعهم، و بخوعهم و استسلامهم له.
و ذلك من أسباب تقوية الرسول، و معونته و إحكام أمره، و زيادة درجة الصبر و التحمّل لديه صلّى اللّه عليه و آله .. على طريقة: قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[١] .. فإن تجسّد هذا الغيب على صفحة الواقع حركة و سلوكا، و مفردات حيّة ناطقة، تلزم بالحجة، و تقطع العذر، و تؤكّد يقين الناس، و تقوّي موقف الرسول، إن هذا من شأنه أن يثلج صدره صلّى اللّه عليه و آله .. و يفرح قلبه، و يزيد من تصميمه، و يشدّ من عزيمته.
و لعلّ هذا يفسّر لنا قوله تعالى: لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا[٢] ..
نعم إن هذا القرآن الذي حدّث الناس في هذه السورة المباركة،- سورة: «هل أتى»- عن هذه الحقائق و الدقائق، قد أنزله اللّه تعالى بصورة تدريجية، لكي يظهر بما لا يقبل الشك أنه من عند عالم الغيب
[١] سورة البقرة الآية ٢٦٠.
[٢] سورة الفرقان الآية ٣٢.