تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٩٢ - «ربك»
و لكن الظاهر هو أن المراد ب «حكم ربّك» هو تكليفه لك أيّها الرسول بمهمات كبيرة و صعبة، اقتضاها تبليغك لأحكام اللّه .. حيث إنك ستواجه المتاعب و النوائب، و أعظم الأذى و المصائب، في سبيل إبلاغ الدعوة و نشرها .. و قد فرض اللّه عليك القيام بهذا الواجب، و عليك أن تصبر، لأن هذه الدعوة تحمل معها مواجهات صعبة في كلّ اتّجاه، إذ لا بدّ من مواجهة الطواغيت، و مواجهة أهواء الناس و طموحاتهم الباطلة، و الوقوف في وجه انحرافاتهم، و مواجهة النفس الأمّارة، و .. و ..
و هذا العناء العظيم، و ذلك الجهد الهائل، و تلك المصاعب و المصائب، تحتاج إلى التثبيت الإلهي، و إلى أن يشعر هذا العامل بلطف اللّه، و رعايته، و محبته، و حنانه، و لأجل ذلك جاء التعبير بكلمة:
«ربّك»:
فإن هذا الحكم عليك قد جاء من مقام الربوبية، ما وافق الحكمة، و من موقع التدبير، و المحبة لك، و اللطف بك، و الرضا عنك، و الحنو عليك، و التي تريد لك التكامل في مقامات الرضا، و الانتقال من مقام إلى مقام بنفس هذا الجهد الذي تبذله، و تلك الصعوبات التي تواجهها ..
و لذلك كلّمه تعالى بكاف الخطاب للمفرد، من أجل المزيد من التحديد لشخص الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و بما له من حدود و ميّزات فردية، ليعرفه بعنايته المباشرة به.
و هذا الخطاب لا شك أنه لذيذ و محبوب لنفس الرسول، و هو يعطيها رضا، و بهجة، و سكونا، و طمأنينة، و ثباتا، و قوة، لشعوره بأن عين اللّه الرؤوف به، و العطوف عليه ترعاه، و تلاحق كل حركاته، و ترصد جميع حالاته.