تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٩٤ - «و لا تطع منهم آثما أو كفورا»
و لكنه حين يخاطب عباده الخطّائين فإنه يتألّفهم، و يداريهم، و يهوّن عليهم الأمور، و يخاطبهم بلين و لطف، فيقول: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ[١] ..
ثم هو يرغبهم بالتوبة، و يعدهم المغفرة وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ[٢] ..
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً[٣] .. و غير ذلك ..
و ما ذلك إلا لأنه تعالى يخاطب أنبياءه و أولياءه من موقع الألوهية، لأنهم في معرفتهم باللّه، و في حصانتهم ضد نزعات الهوى، قد وصلوا إلى مراتب سامية من الصفاء، و النقاء، و الوعي، تؤهلهم لنيل الحقائق، و التفاعل معها .. و هذا ما جعل الخطاب معهم خطابا بالحقائق ذاتها على ما هي عليه، لأنهم أصبحوا فوق مستوى البشر العاديين الذين يحتاجون إلى الخطاب بلغة تستعير مفرداتها من مألوفاتهم في هذه الدنيا، و مفرداتها، و حالاتها .. لأنهم منغمسون فيها، فيحتاجون إلى مزيد من الرعاية لهم، و تولي تدبير أمورهم، و الإشفاق عليهم، بسبب شدة بعدهم عن الحقائق، و عدم قدرتهم على إدراكها ..
على أنه تعالى لا يريد أن يشير إلى أي احتمال لصدور ذلك منهم، بل هو مبالغة في زجر غيرهم، فهو تعالى يريد أن يطلق القاعدة، و يعلن شمولها و سريانها الذي لا يقبل التخصيص، و صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها، فهو على حد قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
[١] سورة الزمر الاية ٥٣.
[٢] سورة طه الاية ٨٢.
[٣] سورة التحريم الاية ٨.