تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٤٦ - «فمن»
«فمن»:
١- إنه أتى بفاء التفريع هنا ليفيد: أنه بعد أن أيقظ في الإنسان فطرته، و واجهه بما يحكم عقله، و ذكّره بما هو مركوز في ضميره، و مستقر في عمق نفسه، فإنه يكون بذلك قد جعله أمام مسؤولياته، ليختار مصيره، و مسيره بنفسه، بوعي تام، و مع التفات و استحضار لعناصر القرار ..
و هذا التفريع بالفاء إنما هو على التذكرة بما تقتضيه الفطرة، و العقل، و الوجدان، و يشاهد بالعيان، و ليس تفريعا على الإخبارات التي ذكرت في الآية.
٢- إنه تعالى لم يذكر هنا سوى خيار واحد، و هو اتخاذ السبيل إلى اللّه سبحانه .. و هو خيار من يريد أن ينسجم مع فطرته و عقله، و كل الواقع الذي عاشه، و لمس الحقائق فيه ..
ذلك من جهة أن أي سبيل آخر، سوف لا يوصل إلى هدف مقبول، و معقول و مرضي لأي إنسان عاقل و حكيم، بل هو سوف ينتهي إلى ضد المراد، حيث يؤدي حتما إلى الدمار و البوار ..
٣- إنه بعد أن ذكّر الإنسان بما تقدمت الإشارة إليه أطلق له المشيئة لإتخاذ السبيل باختياره، فقال: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا، إذ لا موضع للإكراه، لأنه يوجب تضييع الهدف و عدم الوصول ..
و مشيئة اتخاذ السبيل هنا تتحقق بالانقياد لأحكام العقل، و الخضوع لمقتضى الفطرة، و التسليم لأحكام الشرع ..
و في مقابل ذلك يكون الإخلاد إلى الأرض، و عدم الانقياد ..
و مما يشير إلى أن اتخاذ السبيل إنما هو بالاختيار قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ .. و يشير إليه أيضا نهيه تعالى عن إطاعة الآثم، و الكفور،