تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٨٣ - لم يقل أنزلنا
درجة و أسماه من مقام!! فلا بدّ من تنزيل ما هو إلهي ليصبح في حدود البشرية .. فكان النزول أولا إلى اللوح، و أمّ الكتاب، ليمكن لنفس الرسول أن تناله .. ثم لكي يناله البشر الآخرون، و كانت له تنزّلات أخرى إلى البيت المعمور في السماء الرابعة، ثم إلى السماء الدنيا. ثم نزول جبرئيل به سورة سورة، ثم نزول الآيات نجوما ..
و كان نزول القرآن بواسطة جبرئيل إيذانا بعظمة القرآن، و بكرامة و منزلة جبرئيل أيضا، ثم هو تشريف و تكريم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله .. الذي استحق ذلك من خلال عمله و جهده و جهاده في سبيل رضا اللّه، و نيل مراتب القرب، و مقامات الزلفى منه تعالى .. حتى لقد استحقّ أن يكون نبيّا و آدم بين الروح و الجسد، و أن يكون نورا محدقا بعرش العظمة و الجبروت، و القدرة الإلهية ..
و كان من مفردات تكريم اللّه تعالى له، أن جعل جبرئيل و هو أعظم الملائكة قدرا، هو المبلّغ عنه إليه.
أمّا النبي موسى عليه السّلام، فرغم ما له من عظيم المنزلة، و جليل المقام، قد خلق اللّه له الكلام في شجرة، في البداية ..
و يشبه ما ذكرناه هنا في بعض جهاته، ما ذكرناه حول سبب وقوع المتشابه في القرآن، فإنّ معاني القرآن كبيرة و سامية، لا تستطيع ألفاظ وضعها العرب لأمور حسية أو قريبة من الحس أن تستوعبها، فكان لا بدّ من إخضاعها لدرجات من التنزيل و التلطيف. ليمكن وضعها في قوالب لفظية هذا حالها .. فمست الحاجة إلى الاستفادة من المجاز و الكناية، و سائر أنواع الدلالات، لتكون هي المفاتيح التي تفتح للراسخين في العلم الأبواب التي يشرفون منها على عالم من المعاني الكبيرة و السامية، و يعلّمون منها الناس كل على حسب قدره و قدرته ..