تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٣٤ - «و شددنا أسرهم»
حنانا و حبا له، حتى و هو ينهال عليه بالضرب الموجع ..
و الخلاصة: أن من بنى شخصيتك، و مارس تكوينك، و ركّبك و صوّرك، لهو الأعمق معرفة بك، و لذلك تحدث اللّه سبحانه هنا عن الخلق، لا عن الهيمنة، و لا عن المعرفة و العلم ..
و قد عبر بكلمة «نحن» ليظهر مقام عزته، و كبريائه من جهة.
و ليفهمنا أيضا تسخير كل شيء و انقياده و خضوعه له .. فإذا ما كان لغيره تعالى نصيب من التكوين، فإنما هو باللّه، و من اللّه، و بإذن منه تبارك و تعالى ..
«وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ»:
و لم يكتف بالإخبار عن مجرد الخلق على سبيل الإجمال .. بل هو تعالى قد أتبع ذلك بالإشارة إلى التدخل في رسم كل تفاصيل وجودهم من الداخل، و بين لنا مستوى ربط كل شيء بالآخر. و حدد مدى تماسك و انشداد كل إلى كل .. فقال: وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ: و المراد بالأسر: الربط بقيد، و قد يكون هذا الربط ضعيفا، و ربما يكون شديدا ..
و قد بين اللّه تعالى لنا: أنه قد ربط كل جهات وجودهم بأمور تضبطها، و تخولها السير بالاتجاه الصحيح، لو أراد لها الإنسان أن تواصل سيرها في ذلك الاتجاه ..
و من الواضح: أن ضابطة و رابطة كل شيء بحسبه، و بحسب ما يحتاج إليه، فمنها التكويني، و الروحي، و الأخلاقي، و الفكري، و المفاهيمي، و الاعتقادي .. بل و منها ما هو اجتماعي، و عاطفي، و ما إلى ذلك، مما يكون له تأثير في جعل مسيرة الإنسان في الحياة بالاتجاه الصحيح ..