تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٣٥ - «و إذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا»
فاللّه إذن .. قد قوّى و أحكم تكوين هذا الإنسان، و رسم وجوده بصورة قويمة، و ربط كل جهات وجوده بضوابط و روابط صحيحة قادرة على إنشاء علاقات سليمة له بكل ما يحيط به، و ما يعنيه، و ما يطمح إليه ..
و لم يقتصر تعالى على ذكر هذا الربط و الأسر و حسب، بل هو قد تجاوز ذلك ليؤكد على قوته و إحكامه، و في هذا دلالة ظاهرة على أن ثمة تعمدا للتوجيه نحو المعرفة الدقيقة، بكل تفاصيل وجود هذا الإنسان، و تعريفه بدرجة الهيمنة عليه، بهدف إقناعه بأن عليه أن لا يتنكّر لهذه العلاقة العميقة له مع اللّه سبحانه، و أن يستفيد من التوجيه الإلهي، الذي لا بد أن يكون أصدق توجيه؟! ..
كما أن عليه أن يبقى في دائرة تلك الضوابط التي جعلها اللّه تعالى له، لكي تحفظه من السقوط، و تصونه من الزلل و الخطل ..
إن التخلي عن تلك الضوابط، التي هي ضوابط وجوده كجسد، و روح، و شهوة، و غريزة، و عاطفة، و مجتمع .. و .. و .. إن ذلك تدمير لمواقع القوة في داخل وجوده، و تمزيق لحقيقته، و تشويه لفطرته، و قطع للعلاقة مع تلك الضوابط .. سيؤدي بلا ريب، إلى الوهن و الضعف، ثم إلى التمزق و التلاشي، بعد أن كان في غاية الإحكام و القوة، و الانشداد و الضبط ..
إن سعي الإنسان للقفز فوق هذه الضوابط و النواميس- بدلا من الاعتراف بها، و الانقياد لها- لهو جريمة كبرى، ما بعدها جريمة، يرتكبها في حق نفسه ..
«وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا»:
ثم أشار اللّه تعالى إلى استمرار و ثبات، هذا التفضل الإلهي على البشر جميعا، أفرادا و جماعات بالخلق، و بشد الأسر، حتى إذا أراد