تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٩٨ - «و لا تطع منهم آثما أو كفورا»
و هذا نظير قوله تعالى: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[١]، فإنه يستحيل صدور الظلم من اللّه سبحانه؛ لمنافاته مقام ألوهيته .. و لكن ذلك لا يعني محدودية قدرته سبحانه، و صيرورته عاجزا على الحقيقة. بل إن اللّه سبحانه قادر على كل شيء في جميع الأحوال ..
و هذا نظير قولنا: إن الأم يستحيل أن تقتل ولدها تشهّيا منها، ما دامت تملك العقل، و التوازن، و عاطفة الأمومة، كما أن الإنسان لا يقدم على شرب السم، و المؤمن الواعي لا يقدم على أكل الميتة، و لحم الخنزير. و لكن ذلك لا يعني العجز التكويني لهؤلاء عن ذلك كلّه ..
و هذا بالذات هو حال الأنبياء أيضا، فإنهم لا يعصون اللّه، و لا يطيعون الآثم و الكفور، لوجود المنافرة الحقيقية، و البغض الحقيقي في نفوسهم لمثل هذه الأمور .. دون أن يكون ثمّة عجز تكويني عن ذلك.
فقول اللّه سبحانه لنبيّه: وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً، قد جاء خطابا إلهيا متوافقا مع مقتضيات الأحكام الظاهرية للبشر، لأنهم مخاطبون بما يخاطب اللّه به غيرهم ..
و مكلفون به ما دام أنه يقع في دائرة ما تقتضيه قدراتهم البشرية، بغض النظر عن عصمتهم، و مع ملاحظة أن عصمتهم إنما هي اختيارية لهم.
و الخلاصة: أن الأنبياء مكلفون- كغيرهم- بالاجتناب عن جميع المعاصي، و امتثال جميع الأوامر، و لكن ذلك لا يعني: أن يكون الأنبياء- بملاحظة ملكة العصمة فيهم- مظنة صدور ذلك منهم .. بل هو يعني: أن هذه الأمور تقع في دائرة اختيارهم، في نطاق قدراتهم البشريّة.
[١] سورة الكهف الآية ٤٩.