نهاية التقرير في مباحث الصلاة - البروجردي، السيد حسين - الصفحة ٢٠٠ - اجتماع الحكم الواقعي مع الظاهري
فلو أراد المولى تحقق مطلوبه من المكلّف مطلقا، و لو كان جاهلا، لا يجوز له الاكتفاء بذلك البعث، لما عرفت من قصوره عن التأثير بالنسبة إلى الجاهل، بل له أن يبعث المكلّف الجاهل بالبعث الأول ثانيا، إمّا مطلقا أو مقيدا ببعض القيود، مثل ما إذا أخبر به العدل مثلا فيقول: إذا أخبرك العادل بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك، و هذا البعث لا يمكن أن يكون مسبّبا عن مصلحة أخرى في صلاة الجمعة غير المصلحة الملزمة التي أوجبت البعث عليها مطلقا، لما عرفت من إطلاقها لصورة الجهل أيضا، بل لا بدّ أن يكون بلحاظ نفس تلك المصلحة.
و حينئذ فإذا صادف قوله الواقع، يصير وجوبها بالنسبة إليه فعليّا، و إذا خالفه يصير الحكم الثاني حكما صوريا لا يريد المولى انبعاثه منه، فالحكم الظاهري إنما جعل لملاحظة الواقع، و لا يكون مخالفا له، لا من حيث الملاك، لما عرفت من أنّ ملاكه هو ملاكه، و لا من حيث نفس الحكمين، لما عرفت من أنّه في صورة التطابق لا يكون هنا إلّا إرادة واحدة، و في صورة التخالف لا يكون هنا إرادة أصلا.
و من هنا يظهر الفرق بين هذه المسألة و مسألة ترتّب الضدّين المتقدمة، فإنّه في تلك المسألة يكون التكليف بالأهم باقيا على فعليته أيضا في صورة العصيان المحقّق لموضوع الأمر بالمهم، فإنّ المولى لم يرفع يده عن محبوبه الأول، غاية الأمر إنّه حيث لم يؤثر بعثه في نفس العبد، بحيث يتحقّق منه الانبعاث، أوجب عليه محبوبه الثانوي في هذا الفرض.
و هذا بخلاف المقام، فإنّ الحكم الواقعي إنما يكون فعليا بالنسبة إلى خصوص العالم، و البعث قاصر عن التأثير بالنسبة إلى الجاهل أيضا، و بعبارة أخرى موضوع المسألة الأولى هو العاصي الذي يكون التكليف بالأهم ثابتا عليه، لأنّه لا يسقط بالعصيان، و موضوع المقام هو الجاهل الذي يكون البعث الواقعي قاصرا