فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧١ - القراءة الجديدة للنصوص الدينية ( الهرمنوطيقا) / ٣ / الاستاذ الشيخ حسن الجواهري
والتاريخ ) : أنّ المقصود بقوله تعالى : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } (٢٢)هو فصل النبي في الخصومات والنزاعات بين الناس مجاراة لعادة القبائل العربية التي تغيب فيها السلطة المركزية ، وهو لذلك إجراء مؤقت بهذا الظرف ، فإذا ما وجدت السلطة المركزية لم يعد لهذا التحكيم علاقة بالايمان ، كما هو في الآية(٢٣).
المناقشة :
١ ـ ظاهر الآية أنّه ردّ لزعم المنافقين الذين يزعمون أنّهم آمنوا بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مع تحاكمهم إلى الطاغوت ، فالمعنى : إنّهم لا يؤمنون حقاً حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ، والشجر هو الاختلاط والتداخل ، فالتحكيم يجب أن يكون للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيما يمتدّ بين الناس من العلاقات الاجتماعيّة سواء كانت تنازعاً أم لا ، فليست الآية مختصّة بالمنازعات .
٢ ـ إنّ الحكم شامل لغير المنافقين ؛ لأنّ ظاهر حال المنافقين أنّهم يزعمون أنّ مجرد تصديق ما اُنزل من عند الله بما يتضمنه من المعارف والأحكام هو إيمان بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربّه حقيقة ، وهذا أمر باطل ، بل الايمان هو تسليم تام باطناً وظاهراً ، فكيف يتمكن أن يقول إنسان أنا مؤمن بالله ورسوله حقاً ولا يسلّم حكم الرسول في الظاهر أو الباطن إذا خالف هوى نفسه . إذن المتحرّج عن حكم قضى به الرسول يكون متحرّجاً عن حكم الله ؛ لأنّ الله قد افترض طاعة الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) ونفوذ حكمه ، فلابدّ للمؤمن أن يسلّم لحكم الرسول ولا يتحرّج قلبه ولا يعترض عليه في لسانه وقلبه .
٣ ـ لا يوجد في الآية أيّة دلالة على قصر هذا الحكم على حالة عدم وجود السلطة المركزية ، على أنّ الآية وردت في سياق عام وهو سياق وجوب إطاعة الأنبياء ، ولا علاقة للأمر بوجود السلطة المركزيّة أو عدم وجودها ، بل لابدّ من إطاعة النبي فيما يحكم فيه في العلاقات بين الناس ، وهذه الطاعة تكون ميزاناً
(٢٢) النساء : ٦٥ .
(٢٣) الاسلام بين الرسالة والتاريخ : ٧٩ .