فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٠ - قاعدة أصالة الصحّة الاستاذ السيد محسن الجرجاني
كما أنّ من الواضح أنّ أصالة الصحّة بالمعنى الثاني هي غير قاعدة الفراغ ؛ فإنّ الثانية وإن كان المكلّف يحصل له الشكّ فيحمل عمله على الصحّة ، إلا أنّ الفعل المشكوك هو فعله ، كما أنّ الشكّ الحاصل له يقع بعد الفراغ من الفعل ، وليس الأمر كذلك في أصالة الصحّة ؛ وذلك لأنّ المراد بها حمل فعل الغير على الصحّة ، هذا أوّلاً . وثانياً : لعدم اشتراط الحمل على الصحّة في المقام بالفراغ من العمل ، بل يحمل عمل الغير على الصحّة ويرتّب آثار الصحّة حتّى في خلال العمل إذا عرض له الشكّ فيه .
وبعد اتّضاح المراد بقاعدة الصحّة ـ بالمعنى الثاني ـ والفرق بينها وبين قاعدة الفراغ ، ينبغي البحث عن الدليل الدالّ على هذه القاعدة ، فإذا ثبتت هذه القاعدة بالدليل المعتبر انتقلنا لما يتفرّع عليها من بحوث . وسنشير إلى بحوث هذه القاعدة ضمن النقاط التالية :
النقطة الاُولى ـ أدلّة القاعدة :
تعتبر أصالة الصحّة من المسلّمات بين فقهاء الإسلام ولم ينكرها أحد منهم ، بل قبلوها واستدلّوا عليها بأدلّة عديدة ، فتّمسّكوا بقوله تعالى : {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } ، وبالخبر الوارد في قاعدة اليد : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» ، وبالإجماع القطعي ، وبالروايات الواردة في باب تجهيز الميّت ، والروايات الواردة في باب الجماعة والجمعة والتوكيل وإمضاء نكاح الأب والجدّ ونظائر ذلك .
إلا أنّ الجميع مخدوش وقابل للمناقشة ، والدليل الوحيد الذي يمكن الاستدلال به على هذه القاعدة هو السيرة القطعيّة للمسلمين طوال التأريخ والتي لا يعتريها أدنى شكّ ؛ فإنّ من المسلّمات والقطعيّات أنّ المسلمين ـ حتّى في العصور المنصرمة وبحضور المعصومين(عليهم السلام) ـ كانوا يرتّبون الأثر على العقود والإيقاعات الجارية فيما بينهم ويبنون على صحّتها من ناحية عمليّة ، فالميّت الذي يجهّز ويصلّى عليه ـ مثلاً ـ من قبل البعض يبنون على صحّة عمله مع أنّ من المحتمل