فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩٠ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ عقد الإجارة وأحكامه الشيخ خالد الغفوري
عقد الإجارة :
من الواضح أنّ عقد الإجارة من جملة العقود التي اتخذها العقلاء بسبب الحاجة الاجتماعية إليها ؛ إذ أنّ الإنسان بمفرده لا يمكنه أن يؤمّن جميع ما يحتاجه من خلال عمله المباشر وطاقاته الذاتية ولا بالاستفادة من منافع الأعيان والأشياء التي يملكها فحسب ، بل لابدّ له من الاستعانة بالمنافع العائدة للآخرين ، وعلاقة تبادل الانتفاع هذه لابدّ لها من تقنين وتنظيم لحفظ حقوق الطرفين المالك والمنتفع ، وأحد هذه الأنظمة هو عقد الاجارة(٢)، وقد روي هذا المضمون عن الإمام علي (عليه السلام) أيضاً(٣)، من هنا فإنّ الشريعة لم تؤسس عقد الإجارة بل أمضته وحدّدت له ضوابط ، بل حتى ما حكاه القرآن عن شعيب (عليه السلام) وابنته من ذكر الاستئجار والإجارة لم يكن من باب التأسيس ، بل في النص إيحاء إلى أنّ عقد الإجارة كان متعارفاً ؛ فإنّها معاملة مشى عليها العقلاء من سالف الدهر .
وفيما يلي استعراض لجملة من النصوص القرآنية التي دلّت على عقد الإجارة وأحكامها مع كيفية الاستدلال بها ، وهي :
النص الأوّل :
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الاَْمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الاَْجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الاَْجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً... } (٤).
وقبل الدخول في المدلول التشريعي للنص من المناسب التعرّض إلى أمرين :
الأمر الأوّل : البيان الإجمالي
إنّ هذه الآيات مقطع من سورة القصص التي روت لنا فصلاً من سيرة
(٢) انظر : كنز العرفان ( السيوري ) ٢ : ٧٣ .
(٣) الوسائل ( العاملي ) ١٩ : ١٠٣ ـ ١٠٤ ، ب ٢ من الإجارة ، ح ٣ . وسيأتي ذكره لاحقاً .
(٤) القصص : ٢٥ ـ ٢٩ .