فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٢ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ عقد الإجارة وأحكامه الشيخ خالد الغفوري
خامساً ـ العوض :
١ ـ إنّ العوض في الإجارة كما يمكن أن يكون عيناً يمكن أن يكون منفعة أيضاً ، سواء ماثل المنفعة التي هي مورد الإجارة أو خالفها .
واستدلّ بقوله تعالى : {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج } فجعل النكاح عوض الإجارة ، كذا قالوا(٤٣).
بيد أنّه يمكن المناقشة في هذا الاستدلال : بأنّ في الآية احتمالين لا ثالث لهما ، وهما :
الأوّل: أنّ العقد الواقع هو عقد النكاح مشروطاً بإعطاء الأجر، وهو المهر(٤٤).
الثاني: أنّ العقد هو النكاح مشروطاً بعقد الإجارة لكن بحيث يكون عوض الإجارة مهراً في النكاح .
والاستدلال المتقدّم لايتمّ على شيء منهما ، بل إنّما يتمّ بناء على كون العقد الأصلي هو عقد الإجارة بحيث يكون عوض الاجارة منفعة البضع ، وهذا خلاف الظاهر من الآية . أجل ، ربّما تكون الإجارة تمام الداعي أو جزءه ، ولكن لا تأثير لذلك ، وإنّما العبرة بالإنشاء الواقع خارجاً وبالصورة التي اُبرم عليها العقد .
٢ ـ إنّه لم يذكر في هذا النص ماذا كانت اُجرة موسى ، ولكن بعض ما روي لنا من السنّة فيه أنّ الاُجرة كانت من نتاج الغنم(٤٥). وهذا يقتضي الجهالة والغرر ؛ فإنّ ولادة الغنم غير معلومة ، وإنّ من البلاد الخصبة ما يعلم ولادة الغنم فيها قطعاً وعدّتها وسلامة سخالها ومنها ما لا يعلم ذلك منها ، ممّا أثار جدلاً علمياً بين المحقّقين لكون الغرر منهياً عنه ، بل المشكلة هنا أصعب باعتبار ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من النهي عن المضامين والملاقيح لا عن الغرر بصورة عامة فحسب ، والمضامين : ما في بطون الاُمهات . والملاقيح : ما في أصلاب الفحول(٤٦). والبحث في ذلك كما ترى خارج عن البحث في مفاد النص
(٤٣) المغني ( ابن قدامة ) ٦ : ١٢ .
(٤٤) نعم ، قال بعضهم : هذا الذي جرى من صالح مدين لم يكن ذكراً لصداق المرأة ، وإنّما كان اشتراطاً لنفسه على ما تفعله الأعراب؛ فإنّها تشترط صداق بناتها ، وتقول : لي كذا في خاصّة نفسي . وردّه ابن العربي فقال : « هذا الذي تفعله الأعراب هو حلوان وزيادة على المهر ، وهو حرام لا يليق بالأنبياء » [أحكام القرآن ٣ : ١٤٧٣] .
(٤٥) فقد أشرنا إلى ما رواه يحيى بن سلام ، ونضيف ما رواه عتبة بن المنذر السلمي ـ وكان من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ـ من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) : « إنّ موسى لمّا أراد فراق شعيب أمر أمرأته أن تسأل أباها عن نتاج غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما ولدت غنمه من قالِب لون ذلك العام » . وقال : « لمّا وردت الحوض وقف موسى بإزاء الحوض فلم تمرّ به شاة إلا ضرب جنبها بعصا ، فوضعت قوالب ألوان كلّها اثنين وثلاثة ، كلّ شاة ليس منهنّ فَشوش ولا ضَبوب ولا كمشة ولا ثعول » [ أحكام القرآن ( ابن العربي ) ٣ : ١٤٧٤] .
(٤٦) أحكام القرآن ( ابن العربي ) ٣ : ١٤٧٤ ـ ١٤٧٥ .