فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٩ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ عقد الإجارة وأحكامه الشيخ خالد الغفوري
٢ ـ ثمّ إنّ الذين استدلّوا بالآية على الإجارة اختلفوا في تصوير متعلّق الإجارة للإرضاع ، فهل إنّ العقد يقع على الحضانة ويكون اللبن تابعاً ، أو إنّه يقع على اللبن والحضانة تابعة ؟(٦٦)
والخلاف ناشئ من مشكلتين :
اُولاهما: كون لبن المرأة عيناً ، والمعاوضة على العين تكون بعقد البيع لا الإجارة .
ثانيتهما :كون الرضاع مختلفاً ، فربّ صبي أكثر رضاعاً من صبي ، وربّ امرأة أكثر لبناً من امرأة ، فلا يمكن ضبط ذلك(٦٧).
وحُلّ ذلك بما يلي :
أوّلاً: إنّ لبن المرأة وإن كان عيناً لكن اُجري مجرى المنافع التي تستحقّ بعقود الإجارات وخرج عن حكم الأعيان بالدليل الخاص ، ومنه هذه الآية ، قال الجصّاص : « ولذلك لم يجز أصحابنا بيع لبن المرأة كما لا يجوز عقد البيع على المنافع ، وفارقَ لبنُ المرأة بذلك لبنَ سائر الحيوان ، ألا ترى أنّه لا يجوز استئجار شاة لرضاع صبي ؛ لأنّ الأعيان لا تستحقّ بعقود الإجارات كاستئجار النخل والشجر »(٦٨)أو يقال : بأنّ العرف يعدّ ذلك من المنافع(٦٩).
ثانياً: إنّ متعلّق الإجارة ليس اللبن ، وإنّما متعلّقها الإرضاع كما يظهر من قوله تعالى : {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } ، ولا شك في أنّ الإرضاع عمل ومنفعة له مالية بنظر العقلاء ، فيصح وقوع الإجارة عليه .
ثالثاً: إنّ الإجارة على العمل يمكن ضبطها ببعض الضوابط كالزمان مثلاً وغيره ، ووجود الجهالة بهذا المقدار مغتفر في مثل هذه المعاوضة .
٣ ـ استفاد البعض من هذه الآية دلالتها على أنّ الأجرة إنّما تستحق بالفراغ من العمل لا بالعقد ؛ لأنّ الله أوجبها بعد الرضاع بقوله : {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ }
(٦٦) الخلاف ( الطوسي ) ٣ : ٤٨٥ ، م ١ . تذكرة الفقهاء ( العلامة الحلّي ) ٢ : ٢٩٠ .
(٦٧) انظر : أحكام القرآن ( الشافعي ) ١ : ٢٧٧ .
(٦٨) أحكام القرآن ( الجصاص ) ٥ : ٣٦٠ ـ ٣٦١ .
(٦٩) انظر : أحكام القرآن ( الشافعي ) ١ : ٢٧٧ .