الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٥٣
متناهية، فتكون الجهات أيضا متناهية. و لذلك يتحقق إليها إشارة، و لذاتها اختصاص و انفراد من جهة أخرى. و إذا كانت الأجسام كرية فيكون تحدد الجهات على سبيل المحيط و المحاط، و التضاد فيها على سبيل المركز و المحيط. و إذا كان الجسم المحدد محيطا كفى لتحديد الطرفين، لأن الإحاطة تثبت المركز، فتثبت غاية البعد منه و غاية القرب من غير حاجة إلى جسم آخر. و أما إن فرض محاطا لم تتحدد به وحده الجهات، لأن القرب يتحدد به، و البعد منه يتحدد بجسم آخر، إذ لا خلاء. و ذلك ينتهي لا محالة إلى محيط. و يجب أن تكون الأجسام المستقيمة الحركة لا يتأخر عنها وجود الجهات لأمكنتها و حركاتها. بل الجهات تحصل بحركاتها، فيجب أن يكون الجسم الذي تتحدد الجهات إليه جسما متقدما عليه، و تكون إحدى الجهات بالطبع غاية القرب منه و هو الفرق. و يقابله غاية البعد منه و هو السفل؛ و هذان بالطبع و سائر الجهات لا تكون واجبة في الأجسام بما هي أجسام، بل بما هي حيوانات، فتتميز فيها جهة القدام الذي إليه الحركة الاختيارية، و اليمين الذي منه مبدأ القوة، و الفوق إما بقياس فوق العالم، و إما الذي إليه أول حركة النشوء، و مقابلاتها الخلف و اليسار و السفل. و الفوق و السفل محدودان بطرفي البعد الذي الأولى أن يسمى طولا، و اليمين و اليسار بما الأولى أن يسمى عرضا، و القدام و الخلف بما الأولى أن يسمى عمقا.
المقالة الثانية:
في الأمور الطبيعية و غير الطبيعية للأجسام.
من المعلوم أن الأجسام تنقسم إلى بسيطة و مركبة [١] و أن لكل جسم حيزا ما ضرورة فلا يخلو إما أن يكون كل حيز له طبيعيا، أو منافيا لطبيعته، أو لا طبيعيا
[١] أما المركبة فتثبت بالمشاهدة، و أما البسيطة فتثبت بتوسط المركبة لأن كل مركب فإنما يتركب عن بسائط، و للأجسام كلها أحياز ضرورية و هي التي تتباين بها الأجسام في الجهات بأوضاعها و لبعضها أمكنة و هي الأجسام التي تحيط بها أجسام أخر.