الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٤
و لا تظن أن واجبي الوجود لا يشتركان في شيء ما، كيف و هما يشتركان في وجوب الوجود، و يشتركان في البراءة عن الموضوع. فإن كان واجب الوجود يقال عليهما بالاشتراك، فكلامنا ليس في معنى منع كثرة اللفظ و الاسم، بل في معنى واحد من معاني ذلك الاسم؛ و إن كان بالتواطؤ فقد حصل معنى عام عموم لازم أو عموم جنس، و قد بينا استحالة هذا. و كيف يكون عموم وجوب الوجود لشيئين على سبيل اللوازم التي تعرض من خارج، و اللوازم معلولة؟.
و أما إثبات واجب الوجود فليس يمكن إلا ببرهان «إن» و هو الاستدلال بالممكن على الواجب، فنقول: كل جملة من حيث إنها جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية إذ كانت مركبة من ممكنات فإنها لا تخلو: إما أن تكون واجبة بذاتها، أو ممكنة بذاتها. فإن كانت واجبة الوجود بذاتها، و كل واحد منها ممكن الوجود يكون واجب الوجود يتقوم بممكنات الوجود، هذا خلف. و إن كانت ممكنة الوجود بذاتها. فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد للوجود، فإما أن يكون المفيد خارجا عنها أو داخلا فيها، فإن كان داخلا فيها فيكون واحد منها واجب الوجود، و كان كل واحد منهما ممكن الوجود، هذا خلف. فتعين أن المفيد يجب أن يكون خارجا عنها، و ذلك هو المطلوب.
المسألة السابعة: في أن واجب الوجود عقل، و عاقل، و معقول. و أنه يعقل ذاته و الأشياء، و صفاته الإيجابية و السلبية لا توجب كثرة في ذاته، و كيفية صدور الأفعال عنه.
قال: العقل يقال على كل مجرد عن المادة. و إذا كان مجردا بذاته عن المادة فهو عقل لذاته، و واجب الوجود مجرد بذاته عن المادة، فهو عقل لذاته. و بما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته فهو معقول لذاته. و بما يعتبر له أن ذاته له هوية مجردة، فهو عاقل لذاته. و كونه عاقلا و معقولا لا يوجب أن يكون اثنين في الذات، و لا اثنين في الاعتبار. فإنه ليس تحصيل الأمرين إلا أنه له ماهية مجردة، و أنه ماهية مجردة