الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٢
هو ذات الآخر، و لا ذات المجتمع [١]. و قد وضح أن الأجزاء بالذات أقدم من الكل، فتكون العلة الموجبة للوجود علة للأجزاء ثم للكل. و لا يكون شيء منها بواجب الوجود. و ليس يمكننا أن نقول إن الكل أقدم بالذات من الأجزاء فهو إما متأخر و إما معا. فقد اتضح أن واجب الوجود ليس بجسم، و لا مادة في جسم، و لا صورة في جسم، و لا مادة معقولة لقبول صورة معقولة، و لا صورة معقولة في مادة معقولة، و لا قسمة له: لا في الكم، و لا في المبادي، و لا في القول، فهو واجب الوجود من جميع جهاته، إذ هو واحد من كل وجه فلا جهة و لا جهة [٢].
و أيضا فإن قدر أن يكون واجبا من جهة ممكنا من جهة كان إمكانه متعلقا بواجب، فلم يكن واجب الوجود بذاته مطلقا، فينبغي أن يتفطن من هذا لأن واجب الوجود لا يتأخر عن وجوده وجود له منتظر، بل كل ما هو ممكن له فهو واجب له، فلا له إرادة منتظرة، و لا علم منتظر، و لا طبيعة، و لا صفة من الصفات التي تكون لذاته منتظرة، و هو خير محض، و كمال محض. و الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء و يتم به وجود كل شيء. و الشر لا ذات له، بل هو إما عدم جوهر، أو عدم صلاح حال للجوهر، فالوجود خيرية، و كمال الوجود كمال الخيرية. و الوجود الذي لا يقارنه عدم، لا عدم جوهر، و لا عدم حال للجوهر، بل هو دائم بالفعل، فهو خير محض. و الممكن بذاته ليس خيرا محضا لأن ذاته تحتمل العدم [٣]. و واجب
[١] فإما أن يصح لكل واحد من جزئيه مثلا وجود منفرد لكنه لا يصح للمجتمع وجود دونها فلا يكون المجتمع واجب الوجود أو يصح ذلك لبعضها، و لكنه لا يصح للمجتمع وجود دونه فما لم يصح له من المجتمع و الأجزاء الأخرى وجود منفرد فليس واجب الوجود، و لم يكن واجب الوجود إلا الذي يصح له، و إن كان لا يصح لتلك الأجزاء مفارقة الجملة في الوجود، و لا للجملة مفارقة الأجزاء و تعلق وجود كل بالآخر، و ليس واحد أقدم بالذات فليس شيء منها بواجب الوجود.
[٢] فإن كان من جهة واجب الوجود، و من جهة ممكن الوجود، فكانت تلك الجهة تكون له و لا تكون له و لا تخلو عن ذلك، و كل منهما بعلة يتعلق الأمر بها ضرورة، فكانت ذاته متعلقة الوجود بعلتي أمرين لا يخلو منهما فلم يكن واجب الوجود بذاته مطلقا بل مع العلتين سواء كان أحدهما وجودا، و الآخر عدما، أو كان كلاهما وجوديين.
[٣] فإن ما احتمل العدم بوجه ما، فليس من جميع جهاته بريئا من الشر و النقص، فإذن ليس الخير المحض