الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١٣
أعني المقدار المحصل يحل فيها دفعة لا على تدرج، أو تحرك إليها المقدار و الاتصال على تدرج. فإن حل فيها دفعة ففي انضياف المقدار إليها يكون قد صادفها حيث انضاف إليها، فيكون لا محالة صادفها و هو في الحيز الذي هو فيه، فيكون ذلك الجوهر متحيزا، و قد فرض غير متحيز البتة، و هذا خلف. و لا يجوز أن يكون التحيز قد حصل له دفعة واحدة مع قبول المقدار، لأن المقدار يوافيه في حيز مخصوص، و إن حل فيها المقدار و الاتصال على انبساط و تدريج و كل ما من شأنه أن ينبسط فله جهات. و كل ما له جهات فهو ذو وضع. فيكون ذلك الجوهر ذا وضع و قد فرض غير ذي وضع البتة. و هذا خلف. فتعين أن المادة لن تتعرى عن الصورة قط، و أن الفصل بينهما فصل بالعقل فقط.
و الدليل الثاني: أنا لو قدرنا للمادة وجودا خاصا متقوما غير ذي كم و لا جزء باعتبار نفسه، ثم يعرض عليه الكم فيكون ما هو متقوم بأنه لا جزء له و لا كم، يعرض أن يبطل عنه ما يتقوم به بالفعل لورود عارض عليه. فيكون حينئذ للمادة صورة عارضة بها تكون واحدة بالقوة و الفعل، و صورة أخرى بها تكون غير واحدة بالفعل فيكون بين الأمرين شيء مشترك هو القابل للأمرين من شأنه أن يصير مرة ليس في قوته أن ينقسم، و مرة في قوته أن ينقسم. و لنفرض الآن أن هذا الجوهر قد صار بالفعل اثنين، ثم صارا شيئا واحدا بأن خلعا صورة الاثنينية، فلا يخلو: إما إن اتحدا و كل واحد منهما موجود فهما اثنان لا واحد. و إن اتحدا و أحدهما معدوم و الآخر موجود؛ فالمعدوم كيف يتحد بالموجود؟ و إن عدما جميعا بالاتحاد و حدث شيء واحد ثالث فهما غير متحدين بل فاسدين، و بينهما و بين الثالث مادة مشتركة.
و كلامنا في نفس المادة لا في شيء ذي مادة. فالمادة [١] الجسمية لا توجد مفارقة
[١] أخذ ابن سينا بهذا يثبت التخلخل و التكاثف، إذ أن هذا الجوهر صار كما بمقدار حله فليس بكم ذاته، فليس يجب أن يختص ذاته بقبول قطر بعينه دون قطر، و قدر دون قدر، و نسبة ما هو غير متجزئ في ذاته بل هو إنما يتجزأ بغيره إلى أي مقدار يجوز وجوده له نسبة واحدة و إلا فله مقدار في ذواته يطابق ما يساويه دون ما يفعل عليه و هو في الكل و الجزء واحد، لأنه محال أن يكون جزءا منه يطابق جزءا من المقدار و ليس له في ذاته جزء، فبين من هذا أنه يمكن أن تصغر المادة بالتكاثف و تكبر بالتخلخل.