الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٤٢
مهذبا من كل ثقل و كدر، و أما الجرم الذي من الماء و الأرض فيدثر و يفنى، لأنه غير مشاكل للجسم السماوي، لأن ذلك الجسم خفيف لطيف لا وزن له، و لا يلمس، و إنما يدرك من البصر فقط، كما تدرك الأشياء الروحانية من العقل، فألطف ما يدرك الحس البصري من الجواهر هي النفسانية، و ألطف ما يدرك من إبداع الباري تعالى الآثار التي عند العقل.
و ذكروا أن النفس إنما هي مستطيعة ما خلّاها الباري تعالى أن تفعل، و إذا ربطها فليست بمستطيعة كالحيوان الذي إذا خلّاه مدبره؛ أعني الإنسان، كان مستطيعا في كل ما دعى إليه، و تحرك إليه، و إذا ربطه لم يقدر حينئذ أن يكون مستطيعا.
و ذكروا أن دنس النفس و أوساخ الجسد إنما تكون لازمة للإنسان من جهة الأجزاء و أما التطهير و التهذيب فمن جهة الكل، لأنه إذا انفصلت النفس الكلية إلى النفس الجزئية، و العقل الجزئي من العقل الكلي غلظت و صارت من حيز الجرم، لأنها كلما سفلت اتحدت بالجرم، و الجرم من حيز الماء و الأرض، و هما ثقيلان يذهبان سفلا، و كلما اتصلت النفس الجزئية بالنفس الكلية، و العقل الجزئي بالعقل الكلي ذهبت علوا، لأنها تتحد بالجسم، و الجسم من حيز النار و الهواء، و كلاهما لطيفان يذهبان علوا، و هذان الجرمان مركبان، و كل واحد منهما من جوهرين، و اجتماع هذين الجرمين يوجب الاتحاد شيئا واحدا عند الحس البصري، فأما عند الحواس الباطنة، و عند العقل فليست شيئا واحدا، فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم، لأنه أشد روحانية، و لأن هذا العالم ليس مشاكلا له، و لا مجانسا له، و الجرم مشاكل و مجانس لهذا العالم، فصار الجرم أظهر من الجسم لمجانسة هذا العالم و تركيبه، و صار الجسم مستبطنا في الجرم، لأن هذا العالم غير مشاكل له، و غير مجانس له، فأما في ذلك العالم فالجسم ظاهر على الجرم لأن ذلك العالم عالم الجسم لأنه مجانس و مشاكل له، و يكون لطيف الجرم الذي هو من لطيف الماء و الأرض المشاكل لجوهر النار و الهواء، مستنبطا في الجسم، كما كان الجسم