الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٢٣
فأنكروا عليه و قالوا: إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة لما قبلت الصور و لما تغيرت من حال إلى حال، و لما قبلت فعل غيرها، إذا الأزلي لا يتغير، و هذا الرأي مما كان يعزى إلى أفلاطون الإلهي، و الرأي في نفسه مزيف، و العزوة إليه غير صحيحة. و مما نقل عن ديمقريطيس و زينون الأكبر، و فيثاغورس أنهم كانوا يقولون: إن الباري تعالى متحرك بحركة فوق هذه الحركة الزمانية و قد أشرنا إلى المذهبين، و بينا المراد بإضافة الحركة و السكون إلى اللّه تعالى، و نزيده شرحا من احتجاج كل فريق على صاحبه.
قال أصحاب السكون: إن الحركة لا تكون أبدا إلا ضد السكون، و الحركة لا تكون إلا بنوع زمان إما ماض، و إما مستقبل، و الحركة لا تكون إلا مكانية، إما منتقلة و إما مستوية. و من المستوية تكون الحركة المستقيمة، و الحركة المعوجة.
و المكانية تكون مع الزمان، فلو كان الباري تعالى متحركا لكان داخلا في الدهر و الزمان.
قال أصحاب الحركة: إن حركته أعلى من جميع ما ذكرتموه، و هو مبدع الدهر و المكان، و إبداعه ذلك هو الذي يعني بالحركة، و اللّه أعلم.
٥- رأي فلاسفة أقاديما [١]
كانوا يقولون: إن كل مركب ينحل، و لا يجوز أن يكون مركبا من جوهرين متفقين في جميع الجهات، و إلا فليس بمركب، فإذا كان هذا هكذا، فلا محالة أنه إذا انحل المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه، فما كان منها بسيطا روحانيا لحق بعالمه الروحاني البسيط، و العالم الروحاني باق غير داثر،
[١] أقاديما: أو أكاديمية أفلاطون و قد أنشأها عام ٣٨٧ ق. م. عند ما عاد إلى أثينا، و أنشأ على أبوابها، مقابل بستان أكاديموس، أكاديميته الشهيرة التي أمها طلاب المعرفة من كل صوب، و راح يعلّم الحكمة و يعدّ رجالا يستطيعون أن يديروا شئون المدينة وفاقا لمقتضيات العقل.