الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٦٤
ثم استدل بالأفول: الزوال، و التغير و الانتقال؛ على أنه لا يصلح أن يكون ربا إلها. فإن الإله القديم لا يتغير، و إذا تغير احتاج إلى مغير، هذا لو اعتقدتموه ربا قديما، و إلها أزليا. و لو اعتقدتموه واسطة، و قبلة، و شفيعا، و وسيلة. فإن الأفول، الزوال، يخرجه أيضا عن حدّ الكمال. و عن هذا ما استدل عليهم بالطلوع، و إن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول. فإنهم إنما انتقلوا إلى عمل الأشخاص لما عراهم من التحير بالأفول. فأتاهم الخليل عليه السلام من حيث تحيرهم، فاستدل عليهم بما اعترفوا بصحته، و ذلك أبلغ في الاحتجاج.
ثم لما رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي* فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [١] فيا عجبا ممن لا يعرف ربا. كيف يقول: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ رؤية الهداية من الرب تعالى غاية التوحيد، و نهاية المعرفة. و الواصل إلى الغاية و النهاية، كيف يكون في مدارج البداية؟!.
دع هذا كله خلف قاف [٢]، و ارجع بنا إلى ما هو شاف كاف. فإن الموافقة في العبارة على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج، و أوضح المناهج، و عن هذا قال فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي* هذا أَكْبَرُ [٣] لاعتقاد القوم أن الشمس ملك الفلك، و هو رب الأرباب، الذي يقتبسون منه الأنوار، و يقبلون منه الآثار فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٤].
[١] سورة الأنعام: الآية ٧٧.
[٢] قاف مذكور في القرآن في قوله تعالى: ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ و قد ذهب المفسرون إلى أنه الجبل المحيط بالأرض. قالوا: و هو من زبرجدة خضراء و إن خضرة السماء من خضرته. (انظر معجم البلدان ٧: ١٥).
[٣] سورة الأنعام: الآية ٧٨.
[٤] سورة الأنعام: الآيتان ٧٨ و ٧٩.