الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٦٣
ثم دعاه إلى الحنيفية الحقة. قال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا [١]. قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ [٢] فلم تقبل حجته القولية. فعدل عليه السلام عن القول إلى الكسر للأصنام بالفعل فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ [٣] قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا [٤]* قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [٥]* فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [٦]* ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [٧] فأفحمهم بالفعل حيث أحال الفعل على كبيرهم كما أفحمهم حيث أحال الفعل منهم. و كل ذلك على طريق الإلزام عليهم، و إلا فما كان الخليل كاذبا قط.
ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل، و كما أراه اللّه تعالى الحجة على قومه قال: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [٨]. فأطلعه على ملكوت الكونين و العالمين: تشريفا له على الروحانيات و هياكلها، و ترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، و تقريرا أن الكمال في الرجال. فأقبل على إبطال مذهب أصحاب الهياكل فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي [٩] على ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [١٠] و إلا فما كان الخليل عليه السلام كاذبا في هذا القول، و لا مشركا في تلك الإشارة.
[١] سورة مريم: الآية ٤٣.
[٢] سورة مريم: الآية ٤٦.
[٣] سورة الأنبياء: الآية ٥٨.
[٤] سورة الأنبياء: الآية ٥٩.
[٥] سورة الأنبياء: الآية ٦٣.
[٦] سورة الأنبياء: الآية ٦٤.
[٧] سورة الأنبياء: الآية ٦٥.
[٨] سورة الأنعام: الآية ٧٥.
[٩] سورة الأنعام: الآية ٧٦.
[١٠] سورة الأنبياء: الآية ٦٣.