الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٦٢
٣- مناظرات إبراهيم الخليل للفريقين
و قد ناظر الخليل عليه السلام هؤلاء الفريقين.
فابتدأ بكسر مذاهب أصحاب الأشخاص. و ذلك قوله تعالى: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [١] و تلك الحجة أن كسرهم قولا بقوله: أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [٢].
و لما كان أبوه آزر [٣] هو أعلم القوم بعمل الأشخاص و الأصنام، و رعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية، و لهذا كانوا يشترون منه الأصنام لا من غيره، كان أكثر الحجج معه، و أقوى الإلزامات عليه؛ إذ قال عليه السلام لأبيه آزر أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [٤]. و قال: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [٥] لأنك جهدت كل الجهد، و استعملت كل العلم حتى عملت أصناما في مقابلة الأجرام السماوية، فما بلغت قوتك العلمية و العملية إلى أن تحدث فيها سمعا و بصرا، و أن تغني عنك، و تضر و تنفع. فأنت بفطرتك و خلقتك أشرف درجة منها، لأنك خلقت سميعا بصيرا، نافعا، ضارا. و الآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتخذ تكلفا و المعمول تصنعا. فيا لها من حيرة! إذ صار المصنوع بيديك معبودا لك، و الصانع أشرف من المصنوع! يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا* يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ [٦].
[١] سورة الأنعام: الآية ٨٣.
[٢] سورة الصافات: الآيتان ٩٥ و ٩٦.
[٣] آزر: هو أبو إبراهيم و يدل عليه ظاهر الآية وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً و منهم من قال اسمه ثارخ. قال الزجاج لا خلاف بين النسابين على أن اسمه تارخ، من الملاحدة من جعل هذا طعنا في القرآن الكريم.
[٤] سورة الأنعام: الآية ٧٤.
[٥] سورة مريم: الآية ٤٢.
[٦] سورة مريم: الآيتان ٤٤ و ٤٥.