الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٤٤
و أما الطريق الثاني: فإقامة الحجة على إثبات المذهب، و لمتكلمي الحنفاء فيه مسلكان:
أحدهما: أن يسلك الطريق نزولا من أمر الباري تعالى إلى سد حاجات الخلق.
و الثاني: أن يسلك الطريق صعودا من حاجات الخلق إلى إثبات أمر الباري تعالى، ثم يخرج الإشكالات عليهما.
أما الأول فقال المتكلم الحنيف: قد قامت الحجة على أن الباري تعالى خالق الخلائق و رازق العباد، و أنه المالك الذي له الملك و الملك. و المالك هو أن يكون له على عباده أمر و تصريف، و ذلك أن حركات العباد قد انقسمت إلى اختيارية، و غير اختيارية. فما كان منها باختيار من جهتهم فيجب أن يكون للمالك فيها حكم و أمر.
و ما كان منها بلا اختيار فيجب أن يكون له فيها تصريف و تقدير. و من المعلوم أن ليس كل أحد يعرف حكم الباري تعالى و أمره. فلا بد إذن من واحد يستأثره بتعريف حكمه و أمره في عباده [١]. و ذلك الواحد يجب أن يكون من جنس البشر حتى يعرّفهم أحكامه و أوامره. و يجب أن يكون مخصوصا من عند اللّه عز و جل بآيات خلقية هي حركات تصريفية و تقديرية، يجريها اللّه على يده عند التحدي بما يدعيه، تدل تلك الآيات على صدقه، نازلة منزلة التصديق بالقول ثم إذا ثبت صدقه وجب اتباعه في جميع ما يقول و يفعل، و ليس يجب الوقوف على كل ما يأمر به و ينهى عنه، إذ ليس كل علم إليه تبلغ قوة البشر.
[١] لا بدّ المعاملة من سنّة و عدل، و لا بدّ للسنّة و العدل من سان و عادل و لا بدّ أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس و يلزمهم السنّة، و لا بدّ من أن يكون هذا إنسانا، و لا يجوز أن تترك الناس و آراؤهم في ذلك فيختلفون و يرى كل منهم ما له عدلا و ما عليه ظلما، فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقي نوع الناس و يتحصل وجوده، و وجود الإنسان الصالح لأن يسن و يعدل ممكن، و وجوده ضروري لتمهيد نظام الخير، و واجب أن يكون إنسانا، و واجب أن يكون له خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمرا لا يوجد لهم فيتميز به عنهم، فتكون له المعجزات، و إذا وجد وجب أن يسن للناس في أمورهم سننا بأمر اللّه تعالى و إذنه و وحيه و إنزاله الروح القدس عليه فيكون الأصل فيما يشبه تعريفه إياهم أن لهم صانعا واحدا قادرا، و أنه عالم بالسر و العلانية و أنه من حقه أن يطاع أمره ..
(انظر النجاة ص ٤٩٩).