الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣٩
و أحكام النفوس غالبة، و أحوالها ظاهرة للعقل، و إلا فلو كانت الأجساد تبطل رأسا و تضمحل أصلا، و تعود الأرواح إلى مبدئها الأول، ما كان للاتصال بالأبدان، و العمل بالمشاركة فائدة و لبطل تقدير الثواب و العقاب على فعل العباد، و من الدليل القاطع على ذلك أن النفوس الإنسانية في حال اتصالها بالبدن اكتسبت أخلاقا نفسانية صارت هيئات متمكنة فيها تمكن الملكات، حتى قيل إنها نزلت منزلة الفصول اللازمة التي تميزها عن غيرها، و لولاها لبطل التمييز، و تلك الهيئات إنما حصلت بمشاركات من القوى الجسمانية، بحيث لن يتصور وجودها إلا مع تلك المشاركة، و تلك القوى لن تتصور إلا في أجسام مزاجية فإذا كانت النفوس لن تتصور إلا معها و هي المعينة المخصصة، و تلك لن تتصور إلا مع الأجسام، فلا بد من حشر الأجسام، و المعاد بالأجسام [١].
قالت الصابئة:
طريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر، و شرعنا معقول، فإن قدماءنا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصا في مقابلة الهياكل العلوية على نسب و إضافات راعوا فيها جوهرا و صورة، و على أوقات و أحوال و هيئات أوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العلويات: تختما و لباسا، و تبخرا و دعاء و تعزيما، فتقربوا إلى الروحانيات، فتقربوا إلى رب الأرباب، و مسبب الأسباب. و هو طريق مهيع [٢] و شرع مهيد [٣]، لا يختلف بالأمصار و المدن، و لا يتسخ بالأدوار و الأكوار، و نحن تلقينا
[١] القول في المعاد، إما أن يكون هو المعاد الجسماني، و هو قول أكثر المتكلمين، و إما أن يكون هو المعاد الروحاني و هو قول أكثر الفلاسفة الإلهيين. أو كل منهما حق و صدق، و هو قول أكثر المحققين أو الحق بطلانهما معا، و هو قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين. و الحق التوقف و هو المنقول عن جالينوس، و اعلم أن المعاد الجسماني أنكره أكثر الفلاسفة، و جملة أهل الإسلام متفقون على إثباته، إذ هو يتفق و ما جاء في القرآن الكريم. (انظر الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٢٨٧).
[٢] المهيع: الواضح الواسع البيّن، و جمعه: مهايع؛ و أنشد ابن بري:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة
حتى يصاب بها طريق مهيع
(لسان العرب مادة هيع).
[٣] المهيد، من هاده يهيده هيدا، أي حرّكه و أصلحه. (لسان العرب مادة هيد).