الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣٨
حتى انفصلت عنها، فصعدت إلى عالمها الأول، و النزول هو النشأة الأولى، و الصعود هو النشأة الأخرى، فعرف أنهم أصحاب الكمال، لا أشخاص الرجال.
أجابت الحنفاء:
قالوا: من أين سلمتم هذا التسليم: أن المبادي هي الروحانيات؟ و أيّ برهان أقمتم؟ و قد نقل عن كثير من قدماء الحكماء أن المبادي هي الجسمانيات على اختلاف منهم في الأول. منها أنه نار، أو هواء، أو ماء، أو أرض؟ و اختلاف آخر: أنه مركب أو بسيط، و اختلاف آخر: أنه إنسان أو غيره؟ حتى صارت جماعة إلى إثبات أناس سرمديين.
ثم منهم من يقول إنهم كانوا كالظلال حول العرش، و منهم من يقول: إن الآخر وجودا من حيث الشخص في هذا العالم: هو الأول وجودا من حيث الروح في ذلك العالم و عليه خرج أن أول الموجودات نور محمد عليه الصلاة و السلام، فإذا كان شخصه هو الآخر من جملة الأشخاص النبوية؛ فروحه هو الأول من جملة الأرواح الربانية، و إنما حضر هذا العالم ليخلص الأرواح المدنسة بالأوضار الطبيعية فيعيدها إلى مبدئها.
و إذا كان هو المبدأ فهو المعاد أيضا، فهو النعمة و النعيم، و هو الرحمة و هو الرحيم.
قالوا: و نحن إذا أثبتنا أن الكمال في التركيب لا في البساطة و التحليل، فيجب أن يكون المعاد بالأشخاص و الأجساد، لا بالنفوس و الأرواح [١]. و المعاد كمال لا محالة، غير أن الفرق بين المبدأ و المعاد هو أن الأرواح في المبدأ مستورة بالأجساد، و أحكام الأجساد غالبة، و أحوالها ظاهرة للحس، و الأجساد في المعاد مغمورة بالأرواح،
[١] لقد اختلفوا في مسألة ما يعاد من الأجساد و الأرواح، فقال المسلمون و اليهود و السامرة بإعادة الأجساد و الأرواح، ورد الأجساد إلى الأرواح على التعيين برجوع كل روح إلى الجسد الذي كان فيه. و أنكرت الحلولية و أكثر النصارى إعادة الأجساد و زعموا أن الثواب و العقاب إنما يكون للأرواح. و زعم أهل التناسخ أن الإعادة إنما تكون بكرور الأرواح في أجساد مختلفة و ذلك كله في الدنيا، و إن كل روح أحسنت في قالبها أعيدت في قالب يتنعم فيه، و كل روح أساءت إلى قالبها أعيدت في قالب يؤذيها.
(انظر أصول الدين ص ٢٣٥).