الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢٨
المادية، منزه عن العوارض الغريبة، فهو معقول لذاته، ليس يحتاج إلى عمل يعمل به بعده فيعقله ما من شأنه أن يعقله [١] فلا مثال له يتمثل في العقل، و لا ماهية له فيجرد له، و لا وصول إليه بالإحاطة و الفكرة، إلا أن البرهان يدلنا عليه و يرشدنا إليه.
و كثيرا ما يلاحظ العقل الإنساني عالم العقل الفعال فيرتسم فيه من الصور المجردة المعقولة ارتساما بريئا عن العلائق المادية و العوارض الغريبة، فيبتدر الخيال إلى تمثله، فيمثله في صورة خيالية مما يناسب عالم الحس، فينحدر إلى الحس المشترك ذلك المثال، فيبصره كأنه يراه معاينا مشاهدا يناجيه و يشاهده حتى كأن العقل عمل بالمعقول عملا جعله محسوسا، و ذلك إنما يكون عند اشتغال الحواس كلها عن أشغالها، و سكون المشاعر عن حركاتها في النوم للجماعة، و في اليقظة للأبرار.
يا عجبا كل العجب من تركيب على هذا النمط!! فمن أين لغيره مثله؟؟.
و نعود إلى ترتيب القوى، و تعيين محالها.
أما القوى المتعلقة بالبدن التي ذكرناها آلات و مشاعر للجوهر الإنساني:
فالأولى منها: الحس المشترك المعروف ببنطاسيا [٢] الذي هو مجمع الحواس، و مورد المحسوسات، و آلتها الروح [٣] المصبوب في مبادي عصب الحس، لا سيما في مقدم الدماغ.
- و لأن الصورة المحسوسة منتزعة نزعا ناقصا مشروطا بحضور المادة، و الخيالية منتزعة نزعا أكثر لكنه غير تام و العقلية منتزعة نزعا تاما. و الغواشي الغريبة عن الماهية، هي جميع العوارض المفارقة، و لوازم الوجود و الماهية و لوازم الماهية كالزوجية للإثنين لا تكون غريبة عن الماهية. و لا تكون مثل هذه الغواشي عند ما يكون الشيء محسوسا فقط بل و عند ما يكون معقولا أيضا. (شرح الإشارات ١: ١٣٨).
[١] متى ثبت بأن التعقل هو نفس حصول المعقول للعاقل فالمانع من كون الشيء معقولا هو المادة و علائقها، فإذا كانت الماهية مادية احتاجت إلى العقل في تصيرها معقولة إلى أن يجردها عن المادة و أما إذا كانت مجردة لذاتها عن المادة و عن علائقها لم تكن محتاجة إلى أن يعمل ما يصيره معقولا و المعقول بأن المانع من المعقولات هو المادة. (شرح الإشارات ١: ١٣٩).
[٢] بنطاسيا: أي الحس المشترك، و هي قوة مرتبة في أول التجويف المقدم من الدماغ تقبل بذاتها جميع الصور المنطبعة في الحواس الخمس.
[٣] قال الشيخ: آلة المشترك هو الروح المصبوب في مبادي عصب الحس، لأن الحس المشترك كرأس عين-