الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢٧
المركوزة فيه، و هي الحواس الخمس. فبالقوة الباصرة تدرك الألوان و الأشكال. و بالقوة السامعة تدرك الأصوات و الكلمات. و بالقوة الشامة تدرك الروائح. و بالقوة الذائقة تدرك المطعومات. و بالقوة اللامسة تدرك الملموسات. و له فروع من قوى منبثة في أعضاء البدن، حتى إذا أحس بشيء من أعضائه، أو تخيل، أو توهم، أو اشتهى، أو غضب، ألفى العلاقة التي بينه و بين تلك الفروع هيئة فيه حتى يفعل، و له إدراك و قوة تحريك.
أما الإدراك فهو أن يكون مثال حقيقة المدرك: متمثلا مرتسما في ذات المدرك، غير مباين له. ثم المثال قد يكون مثال صورة الشيء، و قد يكون مثال حقيقته. و مثال صورة الشيء هو ما يكون محسوسا، فيرتسم في القوة الباصرة و قد غشيته غواش [١] غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهية، مثل: أين، و كيف، و وضع، و كم معينة، لو توهم بدلها غيرها لم يؤثر في ماهية ذلك المدرك، و الحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة، لا يجردها عنه، و لا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه و مادته.
ثم الخيال الباطن يتخيله مع تلك العوارض التي لا يقدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العلائق الوضعية التي تعلق بها الحس فهو يتمثل صورة مع غيبوبة حاملها. و عنده مثال العوارض، لا نفس العوارض. ثم الفكر العقلي يجرده عن تلك العوارض. فيعرض ماهيته و حقيقته على العقل، فيرتسم فيه مثال حقيقته حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا [٢]. و أما ما هو بريء في ذاته عن الشوائب [٣]
[١] الغواشي، الواحدة غاشية: و هي الغطاء، و منه قوله تعالى في سورة يس: الآية ٩: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.
[٢] بعد ما فرغ من بيان معنى الإدراك أراد أن ينبه على أنواعه، و أنواع الإدراك أربعة: إحساس و تخيل و توهم و تعقل. (إشارات ابن سينا).
[٣] فزيد لا يباين عمرا في إنسانيته، و إنما يباينه في شخصه المادي و ما تلتزمه المادة من الأحوال: كالأين و الكيف و غيرهما ...-