الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣١٢
متضادة و مزدوجة بطباعها، اثنان منها مزدوجان، و اثنان منها متضادان، و من التضاد يصدر الاختلاف و الهرج [١]، و من الازدواج يحصل الفساد و المرج [٢]. فما هو مبدع لا من شيء، لا يكون كمخترع من شيء.
و المادة و الهيولى سنخ الشر و منبع الفساد، فالمركب منها و من الصورة: كيف يكون كمحض الصورة؟ و الظلام كيف يساوي النور؟ و المحتاج إلى الازدواج، و المضطر في هوة الاختلاف، كيف يرقى إلى درجة المستغني عنهما؟.
أجابت الحنفاء:
بأن قالت: بم عرفتم معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات؟ و الحس ما دلكم عليه، و الدليل ما أرشدكم إليه؟ قالوا: عرفنا وجودها، و تعرفنا أحوالها من عاذيمون، و هرمس: شيث، و إدريس عليهما السلام.
قالت الحنفاء: لقد ناقضتم وضع مذهبكم، فإن غرضكم في ترجيح الروحاني على الجسماني: نفي المتوسط البشري، فصار نفيكم إثباتا، و عاد إنكاركم إقرارا.
ثم من الذي يسلم أن المبدع لا من شيء أشرف من المخترع من شيء؟ بل و جانب الروحاني أمر واحد، و جانب الجسماني أمران:
أحدهما: نفسه و روحه.
و الثاني: حسه و جسده. فهو من حيث الروح مبدع بأمر اللّه تعالى. و من حيث الجسد مخترع بخلقه. ففيه أثران: أمري، و خلقي: قولي، و فعلي. فساوى الروحاني بجهة، و فضله بجهة، خصوصا إذا كانت جهته الخلقية ما نقصت الجهة الأخرى، بل كملت و طهرت.
[١] الهرج: الاختلاط. و في حديث أشراط الساعة: يكون كذا و كذا و يكثر الهرج، قيل: و ما الهرج يا رسول اللّه؟ قال: «القتل».
[٢] المرج: القلق؛ و في التنزيل: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ؛ أي في ضلال. و المرج: الفتنة و الفساد. و في الحديث: كيف أنتم إذا مرج الدين؟ أي فسد و قلقت أسبابه.