الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٠٥
[الجزء الثانى]
الباب الأول أهل الأهواء و النحل
من الصابئة [١]، و الفلاسفة، و آراء العرب في الجاهلية، و آراء الهند، و هؤلاء يقابلون أرباب الديانات تقابل التضادّ كما ذكرنا. و اعتمادهم على الفطر السليمة، و العقل الكامل و الذهن الصافي.
فمن معطّل بطّال؛ لا يردّ عليه فكره برادّ، و لا يهديه عقله و نظره إلى اعتقاد، و لا يرشده فكره و ذهنه إلى معاد. قد ألف المحسوس و ركن إليه، و ظنّ أنه لا عالم سوى ما هو فيه من مطعم شهيّ، و منظر بهيّ، و لا عالم وراء هذا المحسوس. و هؤلاء هم الطبيعيون الدهريون [٢] لا يثبتون معقولا.
و من محصل نوع تحصيل، قد ترقى عن المحسوس، و أثبت المعقول، لكنه لا يقول بحدود، و أحكام، و شريعة، و إسلام. و يظن أنه إذا حصّل المعقول، و أثبت للعالم مبدأ و معادا، وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه. فتكون سعادته على قدر
[١] الصابئة: من عبدة الكواكب و النجوم، و هم قلة كانوا يعيشون في حرّان ما بين النهرين. و الناظر في ديانتهم يرى مزيجا غريبا من التوحيد و من عناصر خرافية فيها تنجيم و سحر، و تعظيم للجن و الشياطين و الكواكب، يوسطونها بينهم و بين اللّه، و قد زعموا أنهم المعنيون باسم الصابئة الوارد في القرآن الكريم.
[٢] الدهريون: و هم فرقة كانت منتشرة في زمن النظّام المعتزلي لا تؤمن بدين و لا تقر بإله، و لا تؤمن إلا بالمحسوس، و لا تعتقد أن وراء هذا العالم المادي عالما، فلا معاد و لا ثواب و لا عقاب، و نسبتهم إلى الدهر أخذا من حكاية اللّه عنهم قولهم: وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ (سورة الجاثية: الآية ٢٤).