مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٧٧ - و فيه آية واحدة، و هي
و لعل الغرض من المبالغة في أداء هذا الدين بخصوصه مع أن الدين مطلقا يجب دفعه إلى صاحبه من غير مطل و تسويف عند الطلب و القدرة إجماعا، أن هذا الدين في محل الجحود و الإنكار لعدم الكتابة و الوثيقة فيه، فأراد التحذير و التخويف من عدم دفعه إلى صاحبه.
[و قيل ان هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة و الاشهاد و أخذ الرهن. و فيه نظر، فإن الأوامر السابقة محمولة على الإرشاد و رعاية جانب الاحتياط كما عرفت. و هذه الآية محمولة على الرخصة، فلا وجه للنسخ.]
و قد يستدل بظاهر الآية على وجوب أداء كل أمانة ائتمن صاحبها الغير عليها من غير خصوصية بالرهن أو بالدين و لا بالراهن و لا بالمرتهن، فيشمل الرهن في يد المرتهن و نحوه و حيث أن الأوامر في الآية للإرشاد و رعاية وجوب الاحتياط كما عرفت لم تكن الامانة شرطا في عدم الرهن كما قد يظهر من الآية.
«وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ» أيها الشهود عند إرادة إقامتها لإثبات الحق، فان في ذلك ابطال حق المسلم، و حرمة مال المسلم كحرمة دمه. و يمكن أن يكون الخطاب للمديونين و الشهادة شهادتهم و إقرارهم على أنفسهم بالحق.
«وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا» منكم مع علمه بالمشهود به و عدم ارتيابه فيه و تمكنه من أدائها بحيث لا يترتب على إقامتها منه ضرر «فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم، [و الآثم الفاجر] و في إضافة الإثم إلى القلب مع ان الإثم يلحق المجموع إشارة إلى ان اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب. لأن العزم على الكتمان انما يصدر منه، و استناد الفعل إلى الجارحة التي يقع بها أبلغ، كما تقول أبصرته بعيني و سمعته بأذني. و لأن إضافة الإثم إلى القلب أبلغ في الذم، كما أن اضافة الايمان اليه أبلغ في المدح، و لأن القلب هو رئيس الأعضاء و المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله و ان فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل قد تمكن الإثم في أصل نفسه و ملك أشرف مكان منه.