مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١١٢ - النوع الثاني عشر الوصية
و نحوها من الاخبار المتظافرة [١]، بل استدلوا بها على تحريم التبديل في الوقف و غيره من الاحتياط فيه.
«فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ» فمن توقع، و المجرور في محل النصب على الحال من قوله «جَنَفاً» ميلا عن الحق، و التقدير من توقع جنفا كائنا من موص بسبب مخالفة الشرع خطأ «أَوْ إِثْماً» بأن فعل ذلك الجنف عن عمد «فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ» أي بين الموصى لهم بإجراء وصيتهم على النهج المشروع «فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» بذلك التبديل، فإن الإثم إنما يترتب على التبديل من الحق إلى الباطل و هذا من الباطل إلى الحق.
و روى [٢] الكليني عن محمّد بن سوقة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه تبارك و تعالى «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ». قال: نسختها التي بعدها «فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً». قال: يعنى الموصى اليه إن خاف جنفا من الموصى فيما أوصى به اليه فيما لا يرضى اللّه به من خلاف الحق، فلا إثم على الموصى اليه أن يبدله إلى الحق و الى ما يرضى اللّه به من سبيل الخير.
و لعل المراد بنسخها رفع عموم التحريم المستفاد من التبديل مطلقا، و يكون التحريم بالنسبة إلى التبديل من الباطل إلى الحق كما هو مفاد الآية الثانية مرتفعا عن حكم الأولى، فكأنه نسخ.
و احتمل في المجمع [٣] «أن يكون معنى الآية ان الوصي إذا كان يظن حين
[١] انظر الوسائل الباب ٣٣ و ٣٤ من أبواب كتاب الوصايا ص ٦٧٠ و ٦٧١ ج ٢ ط الأميري و مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٥٢٢- ٥٢٣.
[٢] الكافي ج ٢ ص ٢٣٩ باب من خاف في الوصية الحديث ٢ و هو في المرآة ج ٤ ص ١٢٨ و رواه في التهذيب ج ٩ ص ١٨٦ بالرقم ٧٤٧.
[٣] المجمع ج ١ ص ٢٦٩ و هذا المعنى هو مختار الطبري في تفسيره ج ٢ ص ١٢٦ و احتمله غير واحد من المفسرين و عليه يكون قوله فمن خاف على ظاهره و يكون للأمر المنتظر و لو كان المراد المعنى المشهور من رد الأوصياء خطأ الميت لكان المناسب التعبير بلفظ فمن تبين من موص جنفا أو اثما.
و يكون على هذا المعنى قوله فأصلح بينهم اى فيما يخاف بينهم من حدوث الخلاف فيه فيما بعد و عليه لا نحتاج الى جعل نفى الإثم نظير نفى الجناح في السعي بين الصفا و المروة و التقصير في السفر و اخبار الباب أيضا لا تنافي هذا المعنى.
و تفصيل الكلام لا يناسبه المقام الا ان الأستاد مرتضى المدرسى الجاردهى مد ظله قد اتحفنا بنسخة خطية من آيات الأحكام للعلامة الرجالي ميرزا محمد بن على بن إبراهيم الحسيني الأسترآبادي المتوفى ١٠٢٦ رأيت منه في هذا البحث بيانا متينا لا يسعني الإعراض عنه و يعجبني نقله بعين عبارته.
قال (قدّس سرّه) بعد نقل كلام الطبرسي الفرق بين الجنف و الإثم بالخطإ و العمد هو ظاهر أكثر محققي المفسرين خصوصا المتأخرين و ظاهر كلام صاحب القيل (المقصود كلام الطبرسي بلفظ قيل) كما تقدم ان الجنف ميل الموصى عن الحق بأن يوصى لبعض دون بعض و الإثم ما يستلزم الخلاف و الفساد بين جماعة منهم و كأنه لا بأس بأن يحمل الجنف على ميل الموصى عن الحق إذا أمكنه تداركه برجوعه الى الصواب و الإثم على ما لم يكن إذ الظاهر أنه لا يأثم بما أمكن تداركه.
و يكون مآل الكلام و من خاف من موص جنفا ان يقع منه أو ان يلحقه عقوبته أو إثما اى ميلا عن الحق لزمه فلا يمكنه الرجوع منه و تغييره فأصلح بينهم في الأول بأن يشير عليه بالحق و يرده الى الصواب و ان كان قد اوصى و في الثاني بأن يرد الوصية إلى الحق و المعروف و يعمل كما هو المقرر عند آل محمد (عليهم السلام) و حينئذ فخاف على ظاهره و كذا الجنف و الإثم و لم يثبت عنهم (عليهم السلام) ما ينافي حمل الآية على هذا العموم نعم الحمل على ما اوصى انسب ببيان ما تقدم من التبديل فتدبر.
انتهى كلامه رفع مقامه و هو بيان دقيق عميق يليق بان يكتب بماء الذهب على القباطي بل لعمري انه لحري أن يكتب بالنور على صفحات خدود الحور و لا ننسى الثناء الجزيل للأستاد المدرسى الجاردهى مد ظله حيث تفضل علينا بإرسال هذا الكتاب الثمين لهذا العالم الجليل النبيل.