مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٧ - الثانية (النور ٣٣)
«وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللّٰهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرٰاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» أي للمكرهات لا للمكره، فان الوزر عليه [١].
و لو قيل: انه مع الإكراه لا وزر عليهن و لا اثم، فلا حاجة الى المغفرة. أجيب بأن الإكراه في تلك الصورة جاز أن يكون دون ما اعتبرته الشريعة من الإكراه بالقتل أو بما يخاف معه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره حتى يسلم من الإثم، و ربما قصرت عن الحد الذي يعذر فيه فتكون آئمة- كذا أجاب في الكشاف و هو جيد، غير أن الظاهر المتبادر تحريم الإكراه مطلقا و الغفران معه مطلقا.
و أجاب القاضي بأن الإكراه [٢] لا ينافي المؤاخذة بالذات، و لذلك حرم على المكره القتل و أوجب عليه القصاص.
و فيه نظر، لورود النص في الصورة المخصوصة التي ذكرها، و ان الإثم فيها يتعلق بالمباشر، و المخرج بالنص عن عموم الحكم لا يجعل نظيرا لما عداه من الصور التي لم تثبت خروجها بنص، على أن الإجماع منعقد على عدم الإثم في صورة الإكراه على البغي، و قد سئله هو أيضا في أول كلامه.
و يمكن توجيه كلامه بأن الذنب من حيث هو يقتضي ترتب الإثم على فعله، و من ثم ترتب الإثم على القاتل مع كونه مكرها لمكان الذنب الصادر عنه، و لكن في
[١] و يؤيد هذا المعنى ما رووه من قراءة لهن غفور رحيم رواه في الكشاف و البيضاوي و ابن كثير و نثر المرجان ج ٤ ص ٦٣٠ عن ابن مسعود و رواه الطبري عن سعيد بن جبير و في قلائد الدرر عن ابن عامر و سعيد بن جبير و في فتح القدير عن جابر بن عبد اللّه و سعيد بن جبير و في المجمع عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قال و روى ذلك عن ابى عبد اللّه (ع).
[٢] انظر ص ٤٦٨ ط المطبعة العثمانية و أجاب في فتح القدير بأنها و ان كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة أما بحكم الجبلة البشرية أو بكون الإلجاء قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار انتهى و الحق ان الغفران يستعمل في لسان القرآن في عدم المؤاخذة و ان لم يكن ثمة اثم كما يحقق ذلك الآية ١٧٣ من سورة البقرة فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و مثله الآية ١٤٥ من سورة الانعام و الآية ١١٥ من سورة النحل و في كلام المصنف أيضا إشارة الى ذلك.