مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٤٠ - البحث عن اليتامى
ناس من قبورهم يوم القيامة تؤجج أفواههم نارا. فقيل: يا رسول اللّه من هؤلاء فقرأ هذه الآية. و لعل ذكر البطن لتأكيد الأكل كما في طائر يطير بجناحيه.
«وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» أي يلزمون النار و يقاسون حرها، يقال صلي بالأمر قاسى حره. و السعير بمعنى المفعول، من أسعرت النار إذا ألهبتها. و في الآية وعيد عظيم على أكل مال اليتيم بالظلم، و من ثم كان من الكبائر المعدودة بينهم.
و ها هنا نكتة، و هي انه تعالى أوعد مانع الزكاة بالكيّ و آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار، و لا شك ان هذا الوعيد أشد، و السبب فيه ان الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملّكه المالك، و اليتيم مالك لماله، فكان منع اليتيم أشنع. و لأن الفقير قادر على التكسب من وجه آخر و لا كذلك اليتيم فإنه عاجز، فكان ضعفه أظهر و هذا من كمال عنايته تعالى بالضعفاء.
و قال تعالى في موضع آخر «وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ» لا تدنوا اليه فضلا عن ان تتصرفوا فيه، و في ذلك دلالة على كمال المبالغة بالاجتناب عنه «إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» إلا بالطريقة التي هي أحسن ما يفعل بماله على حسب ما تقتضيه المصلحة كالحفظ و التعمير و التنمية الى غير ذلك مما فيه صلاحهم و يحكم العقل أنه أولى من تركه.
و قد روى الكليني في الحسن عن الكاهلي [١] قال: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام و معهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم و نشرب من مائهم و يخدمنا خادمهم و ربما طعمنا فيه من عند صاحبنا و فيه من طعامهم، فما ترى في ذلك؟
فقال: ان كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس و ان كان فيه ضرر فلا. و قال: بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ فأنتم لا يخفى عليكم، و قد قال اللّه تعالى «وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ». و نحوها من الاخبار [٢] الدالة على اعتبار المصلحة، و قد ذكر ذلك في
[١] الكافي ج ١ ص ٣٦٤ باب أكل مال اليتيم الحديث ٤ و هو في المرات ج ٤ ص ٣٩٥ و رواه في التهذيب ج ٦ ص ٣٣٩ بالرقم ٩٤٧.
[٢] انظر الوسائل الباب ١٠٠ الى ١٠٥ من أبواب ما يكتسب به ص ٥٥٨- ٥٥٩ ج ٢ ط الأميري و مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٤٥٤.