مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٨٤ - النوع الأول في مشروعيته و اقسامه و غير ذلك
«فَانْكِحُوا»، و هو خطأ لأنه يجوز العدول عن الظاهر لدليل، و قد قام الدليل على عدم الوجوب.
قلت: و مما يدل على عدم الوجوب انه لو كان للزم وجوب مثنى من النساء و لا قائل به، فانتفت دلالة الآية من هذا الوجه، و لعل مراد الطبرسي من الدليل هذا.
و يمكن حمل الأمر على الاستحباب، و فيه تأمل إذ استحباب الثنتين و ما فوقها غير ظاهر، بل قد يظهر من الشيخ كراهة ذلك، و لعل وجهه التحرز عن عدم العدل و كونه مظنة الوقوع فيه، و هذا مما يقوى كونه للإباحة أيضا.
ثم انه تعالى خاطب الأزواج و أوجب عليهم إعطاء مهور النساء بقوله «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ» مهورهن، و الصدقة المهر في لغة أهل الحجاز، و قد يسمى المهر صداقا لأنه مظهر لدعوى صدق الزوج في المحبة إذا دفعه، و قرئ على وجوه أخر.
«نِحْلَةً» أي عطية، يقال نحلة كذا نحلة إذا أعطاه إياه من طيب نفس بلا توقع عوض سمي به المهر مع كونه عوض البضع لاشتراك فوائد التزويج بينهما و اختصاص الزوج بدفع المهر إلى الزوجة فكان ذلك عطية من اللّه ابتداء و عطية من الزوج نفسه.
و لأنه لا يملك بدل المهر شيئا، فإن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله، و إنّما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك. و هو منصوب على المصدرية، لأن النحلة و الإيتاء بمعنى الإعطاء.
و يحتمل الحالية عن الصدقات اى منحولة، أو عن فاعل آتوا بمعنى ناحلين و قيل المعنى نحلة من اللّه و تفضلا منه عليهن، فيكون حالا عن الصدقات. و قيل المعنى ديانة من اللّه، من انتحله إذا دان به فهو مفعول له، أو حال عن الصدقات.
و من فسرها بالفريضة نظر الى مفهوم الآية لا الى مفهوم اللفظ [و من ثم عبر عنه بالفريضة في موضع آخر حيث قال «وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً» الآية] و الخطاب للأزواج لأن ما قبله خطاب للناكحين. و قيل خطاب للأولياء فإن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئا، فنهى اللّه تعالى عن ذلك و أمر بدفع الحق إلى أهله.