مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٥١ - كتاب البيع
«أَ لٰا يَظُنُّ أُولٰئِكَ» المطففون، و هو إنكار و تعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، و الظن بمعنى العلم، أي إلا يعلمون مع وضوح الأدلة «أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ» يوم القيامة و محاسبون على مقدار الذرة و الخردلة. و في الإشارة إليهم بأولئك مع تقدم ذكرهم قريبا تبعيد لهم عن درجة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية.
«لِيَوْمٍ عَظِيمٍ» وصفه بالعظمة باعتبار ما يقع فيه من الشدائد و المحن العظيمة، أو أنه بمعنى الحسبان، لأنّ من ظن الجزاء و البعث و رجح ذلك في نفسه و ان لم يصل إلى حد العلم يجب أن يتحرز و يتجنب المعاصي خوفا من العقاب الذي يجوزه و يظنه فان من ظن العطب في سلوك طريق وجب أن يجتنب سلوكه حذرا من العطب.
«يَوْمَ يَقُومُ النّٰاسُ» نصب بمبعوثون، أو هو بدل من الجار و المجرور، و المراد قيامهم من قبورهم. و يحتمل قيامهم يوم المحشر، فقد روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «يقوم الناس مقدار ثلاثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيها بأمر».
«لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ» لحكمه و أمره، أو لحسابه و جزائه. و في هذا الإنكار و التعجب و كلمة الظن و وصف اليوم بالعظيم و قيام الناس فيه للّه خاضعين، و وصف ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب و تفاقم الإثم بالتطفيف.
و قد دل على ذلك آيات كثيرة، نحو قوله «أَلّٰا تَطْغَوْا فِي الْمِيزٰانِ وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لٰا تُخْسِرُوا الْمِيزٰانَ».
و قد تظافرت الاخبار بذلك، روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال «خمس بخمس: ما نقض العهد قوم إلا سلط اللّه عليهم عدوهم، و ما حكموا بغير ما أنزل اللّه إلا فشا فيهم الفقر، و ما ظهرت فيهم الفاحشة الّا فشا فيهم الموت، و لا طففوا الكيل الا منعوا النبات و أخذوا بالسنين، و لا منعوا الزكاة الّا حبس عنهم القطر» و نحوها.
ثم ان ظاهر الآية ترتب الوعيد على التطفيف بأي شيء كان قليلا كان أو كثيرا، و ذهب بعض علماء العامة الى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة، و رده الأكثر، بل قال بعضهم ان العزم عليه من الكبائر، و هو مبنى علي ان نية المعصية بمثابة المعصية. و فيه ما فيه.