مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٩٠ - (النوع الأول) (الإجارة)
[و أما الأبحاث]
و حيث بينّا وجوب الوفاء بالعقود على الاجمال، فلنذكر الآن بيان تفاصيلها، و ذلك أنواع:
(النوع الأول) (الإجارة)
و فيها آيتان:
الاولى:
(قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (القصص: ٢٦) «قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ» و هي دالة على مشروعية الإجارة في زمن شعيب (عليه السلام).
الثانية:
«إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ» القصص: ٢٧ «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ» هي كسابقتها في الدلالة على المشروعية الا أنها شرع من قبلنا، و في دلالتها على المشروعية في شرعنا تأمل، لعدم الحجية فيه عندنا، و لا يكفي فيها أصالة عدم النسخ و كون ذلك العقد مما يتوقف عليه نظام النوع، ان تم فليس بدال على حجية الآية فيه، بل هو مستقلّ في الدلالة، و المقصود دلالة الآية عليه و الا فالإجماع منعقد على مشروعيتها و الاخبار متظافرة.
و الأولى الاستدلال عليه بقوله «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» حيث أوجب لهن الأجر، و هو يقتضي مشروعية الإجارة و ثبوت الأجرة بها. و لا يرد [١] أن
[١] قد ثبت عندهم ان مورد الإجارة انما هو المنافع و للسيد الجليل العالم النبيل المجهول القدر السيد فتاح تغمده اللّه بغفرانه كتاب نفيس قيم جدا مخمول ذكره قلما يراجعه أهل العلم و انا اوصيهم بمراجعة هذا الكتاب و الغوس في ابحره لكي يلتقطوا دررا ثمينة نفيسة و ينتفعوا بها في العويصات من المسائل.
قال (قدّس سرّه) في قاعدة من قواعد العنوان الحادي و الأربعين ما خلاصته ان مورد الإجارة انما هو المنافع فلا ينبغي للمستأجر أن يتصرف في عين المال المستأجر في شيء و لا ينبغي أن يتلف عين في الإجارة و قد وقع الإشكال في موارد.
منها الاستيجار للرضاع فإن المرأة المستأجرة للرضاع لا ريب انه يتلف بذلك اللبن منها بل هو المقصود بالإجارة و هذا مخالف لما هو وضع الإجارة من تعلق الغرض فيها بالمنافع دون الأعيان.
و منها الاستحمام في الحمام و منها استيجار الأرض للرعي و منها استيجار البئر للسقي ثم ذكر (قدّس سرّه) للتفصي عن الاشكال وجوها.
أحدها ان يكون كل ذلك معاملة مستقلة غير داخلة في عنوان الإجارة قد ثبت صحتها بالإجماع و السيرة المستمرة الكاشفة عن تقرير المعصوم.
و ثانيها ان يكون من باب الإجارة لكنها خرجت عن القاعدة بالدليل و سر مشروعيتها توفر الدواعي و لزوم العسر و الحرج لو لم تشرع.
و ثالثها ان يقال ان المنفعة أمر لا يكال بمكيال منضبط حتى يختص بما يقابل العين بل يدور مدار العرف و منفعة كل شيء بحسبه و لا ريب ان اللبن منفعة للمرضعة كالخدمة و الحضانة و الماء منفعة للبئر و الحمام و العلف منفعة للأرض و كل هذه المنافع و ان كانت أعيانا لو لوحظت بأنفسها لكن باعتبار نسبتها الى موضوعاتها تعد منافع في العرف.
رابعها ان يقال ان المنفعة المقصودة في هذه المقامات انما هي المنفعة المصطلحة عند الفقهاء من الخدمة في المرضعة و الاستقاء في البئر و دوران الأغنام في الأرض و الخروج و الكون في الحمام و ليس المقصود في ذلك الأعيان بل هذه الأعيان كلها توابع كماء البئر في إجارة الدار للسكنى و ليست مرادة و انما يستعمل للتبعية و كذا المداد للكتابة فيجعل جميع الأعيان التالفة في هذا المقام من قبيل التوابع اللاحقة.
انتهى ما أردنا من تلخيص كلامه و أخذ بعد ذلك في البحث و التحقيق و التنقيب في الوجوه الأربعة من شاء فليراجع أصل الكتاب. و هذا البحث في ص ٢٤٥ منه ط ١٢٩٧ و اختار هو (قدّس سرّه) الوجه الثاني فيما لا مجال لإنكار صحة الإجارة فيها كالظئر و الحمام و منع صحة الإجارة في باقي الأمثلة.
و اختار المصنف في هذا الكتاب كما ترى الوجه الرابع و امتن الوجوه و أصحها و أقواها عندي هو الوجه الثالث و ذلك لان المسوغ للإجارة انما هو حدوث المقصود بالعقد شيئا فشيئا و إمكان استيفائه مع بقاء الأصل سواء كان الحادث عينا أو غير عين و كونه جسما أو معنى قائما بالجسم لا اثر له في المنع و الجواز.
نعم لا يصح اجارة ما لا يبقى أصله مع الاستيفاء كالخبز للأكل و الماء للشرب و الشمع للاستضاءة و لم يدل كتاب و لا سنة و لا إجماع و لا عقل على ان المنفعة المستحقة بالإجارة يجب ان لا تكون عينا بل الذي دلت عليه الأدلة ان الأعيان التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر على الشجر و اللبن في الحيوان و الماء في البئر.
أنشدكم باللّه هل الوقف الا تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة كما ورد به النبوي و هل يمنع احد وقف الماشية للانتفاع بلبنها و الشجرة للانتفاع بثمرها و هل المنحة المسلم مشروعيتها من الفتاوى و السيرة المستمرة الا العارية و التبرع بمنفعة المال.
و ليس بين الإجارة و العارية فرق الا ان استيفاء المنفعة في العارية بلا عوض و في الإجارة مع العوض و مورد الإجارة و العارية واحد و انما يختلفان في التبرع بهذا و المعاوضة على الأخر و كل ما جاز ان يستوفى بالعارية جاز ان يستوفى بالإجارة.
بل هل المستوفي في إجارة الأرض للزرع غير العين و هو المغل الذي يستغله المستأجر و قد نص الكتاب العزيز بجواز استيجار الظئر و سمى ما تأخذه اجرا فجعلوها خلاف القاعدة و ليس في القرآن اجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا إجارة الظئر.
أنشدكم باللّه هل القاعدة إلا ما يستفاد من التنزيل! فان استفيد قاعدة من السنه فلزوم التمسك بها أيضا من جهة أمر القرآن حيث قال عز من قائل «مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» فكيف يحكم بما اجازه القرآن و صرح بشرعيته انه على خلاف القاعدة.
و اما ما افاده المصنف من ان الإجارة على الحضانة و اللبن تابع فاللّه يعلم و العقلاء قاطبة ان الأمر ليس كذلك و ليس المقصود في استيجار الظئر الحضانة و لا ورد عليها عقد الإجارة لا عرفا و لا حقيقة و لا شرعا فلو أرضعت الطفل و هو في حجر غيرها و لم تقصد حضانته استحقت الأجرة كما يشهد بذلك إطلاق الآية الشريفة بل قيل باستحقاقها و ان لم يكن لها فعل بان انتفع بلبنها حال نومها و على اى فلعله لأجل ما قد مناك أمر المصنف (قدّس سرّه) بالتأمل.