مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٧٣ - النوع الرابع في أشياء من توابع النكاح
فيجوز النظر اليه و من هنا لم يتعرّض صاحب الكشاف لهذا التّقييد.
و الحقّ ان المقام في غاية الأشكال [١] و الاحتياط غير خفيّ على من قصده.
«وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ» مقانعهنّ جمع خمار «عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ» ليحصل بذلك ستر
[١] و زبدة المخض في المسئلة أنه اختلف علماؤنا الإمامية في جواز النظر الى وجه النساء الأجنبيات و اكفهن في غير مورد الضرورة لغير من يريد التزويج على ثلاثة أقوال:
الأول جواز النظر مطلقا و لو مكررا و هو المحكي عن الشيخ في النهاية و كتابي الحديث و التبيان و الكليني و جماعة من المتأخرين و قد اختاره المحقق النراقي في المستند و الجزائري في قلائد الدرر و العلامة الأنصاري في رسالة النكاح و قواه في الكفاية و الحدائق و المسالك و جامع المقاصد و مال إليه أيضا آية اللّه الحكيم (رضوان اللّه عليه) في المستمسك.
و الثاني الحرمة مطلقا و هو المحكي عن التذكرة و الإيضاح و اختاره في الجواهر و قواه السيد محمد باقر اللكهنوى في رسالته الموسومة بإسداء الرغاب في مسئلة الحجاب و مال إليه في كشف اللثام.
و الثالث جواز النظر مرة و حرمة الزائد أي في وقت واحد عرفا و هو المحكي عن المحقق و العلامة في أكثر كتبه و جمع آخر.
و المختار عندي هو القول الأول و هو الجواز مطلقا و يدلنا على ذلك طوائف من الاخبار:
الأولى ما دل على تفسير الآية كالاحاديث المارة قبيل ذلك عن الفضيل و زرارة و أبى بصير و رواية أبي الجارود في تفسير القمي ص ٢٨٠ عن أبى جعفر (عليه السلام) في قوله وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا في الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكف و السوار و الزينة ثلاث زينة للناس و زينة للمحرم و زينة للزوج فأما زينة الناس فقد ذكرناه و أما زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها و الدملج و ما دونه و الخلخال و ما أسفل منه و أما زينة الزوج فالجسد كله و قد نقله عنه في نور الثقلين ج ٣ ص ٥٩٢ الرقم ١١٩ و البرهان ج ٣ ص ١٣٠ بالرقم ٨ و في قلائد الدرر ج ٣ ص ١٦٨ و في جوامع الجامع ص ٣٠٩ ط ١٣٢١ و عنهم (عليهم السلام) الكفان و الأصابع.
الثانية ما ورد في جواز إبداء الوجه و الكفين و النظر إليها مع قطع النظر عن التعرض لتفسير الآية مثل الصحيح المروي في قرب الاسناد ص ٤٠ ط إيران عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) سئل عما يظهر المرأة من زينتها قال الوجه و الكفين صرح بصحة الحديث في الكفاية. و حديثه الأخر ص ١٠٢ عن على بن جعفر عن أخيه موسى قال و سألته عن الرجل ما يصلح أن ينظر إلى المرأة التي لا تحل له قال الوجه و الكفان و موضع السوار و لم يستبعد في الكفاية صحة هذا الحديث أيضا.
و رواية مروك في الكافي الباب المتقدم الحديث ٢ منه عن أبى عبد اللّه ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما قال الوجه و الكفان و القدمان و رواه في الخصال أيضا بالرقم ٧٨ من أبواب الخمسة ص ٣٠٢ ط مكتبة الصدوق.
قال العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالته في النكاح المطبوعة مع كتابه في المكاسب ص ٢٧٤: لكن فيها زيادة ذكر القدمين و لا يقدح لان طرح بعض الرواية لا يسقط باقيها عن درجة الاعتبار انتهى.
و استقرب في الحدائق و قلائد الدرر كون القدمين أيضا من المستثناة لمكان هذه الرواية.
و من الاخبار الدالة على الجواز أيضا صحيحة على بن سويد المروية في الكافي ج ٢ ص ٧٠ باب الزاني الحديث ٦ و هو في المرات ج ٣ ص ٥١٨ و الوافي الجزء ٩ ص ٣٤.
و في الوسائل الباب ١ من أبواب النكاح المحرم و ما يناسبه الحديث ٣ ج ٣ ص ٣٩:
قال قلت لأبي الحسن انى مبتلى بالنظر الى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها فقال لي يا
على لا بأس إذا عرف اللّه من نيتك الصدق و إياك و الزنا فإنه يمحق بالبركة و يهلك الدين انتهى الحديث.
و كون الراوي من أهل الصنائع و الحرف لا يوجب اضطراره إلى معاملة النساء بل لو كان اسفارهن حراما لأمره الامام بردعهن اقامة لفريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
الثالثة ما ورد في جواز النظر عند الاضطرار مثل صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبى جعفر المروية في الكافي ج ٢ ص ٦٨ باب المرأة تصيبها البلاء في جسدها الحديث ١ و هو في المرات ج ٣ ص ٥١٦ و الوافي الجزء ١٢ ص ١٢١ و الوسائل الباب ١٢٩ من أبواب مقدمات النكاح الحديث ١ و فيه سألته عن المرأة المسلمة الى أن قال في مكان لا يصلح النظر اليه يدل الحديث على أن في جسد المرأة مكانا يحل النظر اليه و ليس الا الوجه و الكفين إجماعا. الرابعة ما ورد في غسل الميتة أنظر الوسائل الباب ٢٢ من أبواب غسل الميت ج ١ ص ١٣٥ ط الأميري فالحديث ١ منه حديث مفضل في المرأة التي تكون في السفر الى أن قال يغسل بطن كفيها ثم يغسل وجهها ثم يغسل ظهر كفيها و حديث داود بن فرقد الحديث ٢ منه عن المرأة تموت الى أن قال يغسلون كفيها و مثله حديث الجابر الحديث ٨ منه و في حديث أبى بصير الحديث ٦ منه عن امرأة ماتت في سفر الى أن قال يغسل منها موضع الوضوء.
و في حديث أبى سعيد الحديث ١٠ منه ما يشعر بأن في الأعضاء ما يحل النظر إليه في حال الحيوة و ليس الا الوجه و الكفين إجماعا و ترى هذه الأحاديث في جامع أحاديث الشيعة ج ١ ص ٢٦٩ و ص ٢٧٠ بالرقم ٢٥٩٠ الى ٢٥٩٣ و ٢٦٠٨ و في الوافي الجزء ١٣ ص ٤٤ و ص ٤٥ و ص ٤٦.
الخامسة ما ورد في باب ما يجوز أن تلبسه المحرمة من كتاب الحج المصرح بكشف الوجه المستلزم لرؤية غير المحارم لها أنظر الوسائل الباب ٤٨ من أبواب تروك الإحرام ج ٢ ص ٢٦٣ ط الأميري بل في الحديث ٤ من الباب المذكور كشف الامام بنفسه عن وجه امرأة ستره بمروحة و احتمال كون المرأة محرما له بعيد.
السادسة فحوى أخبار كثيرة في أبواب النظر إلى النسوة المتضمنة لحكمه منعا و جوازا و سؤالا و جوابا من جهة كون محط الحكم بطرفيه هو الشعر و الرأس و الذراعان و بالجملة ما عدا الوجه و الكفين مع أنها أولى ببيان الحكم لشدة الابتلاء به فالسكوت عن حكمها مطلقا كاشف عن وضوح حكمها من الجواز و الا لكان حكم المنع فيها أخفى و هي كثيرة جدا.
السابعة ما دل على كراهة القنازع و العقصة و نقش الراحة بالخضاب للمرئة و أن نساء بني إسرائيل هلكن بذلك أنظر الباب ١٠٠ من أبواب مقدمات النكاح من كتاب الوسائل ج ٣ ص ٤٤ ط الأميري و ص ٥٥٤ مستدرك الوسائل ج ٢ إذ لو وجب ستر الوجه و الكفين كغيرها لم يكره تزيينها كما يكره تزيين غيرها كيف شاءت.
الثامنة ما ورد في شأن سيدتنا فاطمة (سلام اللّه عليها) مثل ما رواه في الكافي ج ٢ ص ٦٦ باب الدخول على النساء الحديث ٥ و هو في المرات ج ٣ ص ٥١٤ و الوافي الجزء ١٢ ص ١٢٤ و الوسائل الباب ١٢٠ من أبواب مقدمات النكاح الحديث ٣ ج ٣ ص ٢٧ ط الأميري عن جابر قال خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يريد فاطمة (سلام اللّه عليها) الى أن قال و دخلت و إذا وجه فاطمة أصفر كأنه بطن جرادة و ساق الحديث الى أن قال فو اللّه لنظرت الدم ينحدر من قصاصها حتى عاد وجهها أحمر.
و روى مثله في مستدرك الوسائل أيضا ج ٢ ص ٥٥٦ عن سبط الطبرسي في مشكوة الأنوار عن جابر و روى قريبا منه في البحار طبع كمپانى عن الخرائج عن عمران بن الحصين و مثل ما روى أن سلمان رأى يدي سيدتنا فاطمة عند ادارة الرحى دامية حكاه في المستند ج ٢ ص ٤٧١.
و استدل من قال بالتحريم مطلقا بوجوه:
الأول إطلاق آية الغض و النهي عن إبداء الزينة الا للمحارم و الجواب أن الآية مجملة سلمنا لكنها مقيدة بقوله الا ما ظهر و قد فسر في الاخبار الماضية بالوجه و الكفين.
قالوا أنها مجملة و لم يصح شيء من أخبار التفسير.
قلنا أولا ان الاخبار معاضدة بعضها لبعض و ثانيها ان فيها الصحيح فان خبر قرب الاسناد عن أبى عبد اللّه صحيح على ما صرح به في الكفاية و فيه السؤال عما يظهر المرأة من الزينة يشير الى الآية فهو أيضا معدود مما ورد في تفسير الآية و مثله حديث الفضيل و لم يشك أحد في صحته و قد عرفت فهم أجلاء أصحابنا من الحديث استثناء الوجه و الكفين.
سلمنا لكن ضعف الاخبار مجبور بعمل الأصحاب مستندا الى تلك الاخبار سلمنا لكنه مع إجمال ما ظهر كما اعترفوا به لا يمكن التمسك بعموم الغض و النهي عن الابداء و قد أسسوا في الأصول عدم صحة التمسك بعموم العام مع إجمال المخصص المتصل كما هنا فعندئذ نرجع الى الأصل الاولى في المسئلة و هو الجواز.
مع أنه لا يصل النوبة إلى الرجوع الى الأصل فإن خبري قرب الاسناد صحيحان على ما عرفت من الكفاية فلو لم نقل بكونهما في مقام تفسير الآية فلا أقل يكون مخصصا لاية الغض.
فان قيل لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة قلنا مع أنه خلاف المذهب المنصور عدم جواز التخصيص انما هو لمكان مخالفة الكتاب و مع إجمال الكتاب كما هو المفروض لم يبق ثمة مانع عن العمل بالحديث. و قد أفصح عن بحث تخصيص الكتاب بخبر الواحد العلامة المظفر في أصول الفقه ج ١ ص ١٤١ و ١٤٢ فراجع.
الوجه الثاني الإجماع المنقول نقله الفاضل المقداد في كنز العرفان ج ٢ ص ٢٢٢ و التعبير فيه: لإطباق الفقهاء على أن بدن المرأة كلها عورة الأعلى الزوج و المحارم و في دلالته على الإجماع نظر مع أنه تمسك بالإجماع في محل النزاع.
الثالث الاخبار الناهية بوجه مطلق مثل ما في عقاب الاعمال من أطلع في بيت جاره فنظر الى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيء من جسدها كان حقا على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين و في العلل حرم النظر الى شعور النساء الى أن قال و كذا ما أشبه الشعور رواهما في الوسائل الباب ١٠٤ من أبواب مقدمات النكاح الحديث ١٢ و ١٦ ج ٣ ص ٢٤ و ٢٥ ط الأميري.
و فيه مع ما في دلالتهما لإمكان منع كون الوجه و الكفين مما أشبه الشعور و ظهور الجسد في غيرها أنهما عامان فيخصصان بما دل على جواز النظر الى الوجه و الكفين.
و ربما عد من الاخبار الناهية ما ورد من أن النظر سهم من سهام الشيطان و ان زنا العين النظر و رب نظرة أورثت حسرة طويله، و لا يخفى عليك ظهور تلك الاخبار فيما حصل بريبة و كان بشهوة و لا نقول بحله يشهد لذلك قوله و أن زنا الفم القبلة و لا تكون الا عن شهوة و الأخير إيجاب جزئي.
سلمنا لكنها عمومات تخصص بالأخبار الماضية و ترى تلك الاخبار في الباب المتقدم من الوسائل.
الرابع مفهوم ما دل على جواز النظر الى من يريد تزويجها تريها في الباب ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح من الوسائل ج ٣ ص ١١ و ١٢ ط الأميري.
و فيه أن سياق الشرط فيها ليس مفيدا للتعليق مع أن في الأخبار التي أسلفنا كفاية في الخروج عن ظاهر المفهوم بحمل الباس على الكراهة بل لعله ليس مخالفا للظاهر أيضا.
الخامس ما روى من أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صرف وجه الفضل بن عباس عن النظر إلى الخثعمية. و الجواب أنه على جواز النظر أدل كما أفاده في الحدائق و جامع المقاصد و المسالك و المستمسك قال في الحدائق: و حديث الخثعمية بالدلالة على القول الأول أنسب و اليه أقرب لدلالته على جواز كشف الوجه يومئذ و عدم تحريم النظر و صرفه (صلّى اللّه عليه و آله) وجه الفضل ابن العباس انما وقع لأمر آخر كما علله به من خوف الفتنة و لا كلام فيه كما عرفت لا من حيث حرمة النظر و لو كان النظر محرما لنهى عنه من أول الأمر لوجوب النهي عن المنكر و قريب منه ما في جامع المقاصد.
ثم قال في الجامع و ثانيا انه لا دلالة على أن صرف وجه الفضل كان على طريق الوجوب فربما كان ذلك على طريق الأولوية و لو سلم كونه للوجوب و افادة ذلك للتحريم لم يدل على المراد هنا لأنهما إداما النظر على وجه يشعر بالميل القلبي من كل منهما و لا بحث في التحريم معه و لانه صرح بخوف الفتنة و هو غير محل النزاع.
قيل انه علل بشبابهما و هو مظنة الشهوة و خوف الشيطان قلنا انما علل به عند ما رأى شواهد الفتنة و هو ادامة النظر من كل منهما انتهى.
و قريب منه ما في المسالك و مثله في المستمسك ج ١٢ ص ٢٤ و فيه بعد ذلك: مضافا الى ما يظهر من الرواية من أن المرأة كانت مكشوفة الوجه و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان ينظر إليها فرآها تنظر الى الفضل انتهى.
ثم ان حديث الخثعمية لم يروه أصحابنا الإمامية في كتبهم الحديثية و انما رووه في كتبهم الفقهية مرسلا نعم في الوسائل الباب ٣٤ من أبواب وجوب الحج ذكر قصة سؤال الخثعمية نقلا عن مقنعة المفيد من غير ذكر إرداف الفضل و في مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٥٥٤ قصة إرداف الفضل نقلا عن بعض نسخ فقه الرضا و فيه أخت لأعرابي مكان امرأة خثعمية.
و أصل الحديث في كتب أهل السنة أنظر فتح الباري ج ٤ من ص ٤٣٩ الى ص ٤٤٢ و شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ٩٧ و ٩٨ و سنن البيهقي ج ٥ ص ١٧٩ و ج ٧ ص ٩٨ و في المنتقى ج ٤ ص ٣٠٠ نيل الأوطار أنه رواه الجماعة و هذا الحديث هو الأصل في كتب أهل السنة لجواز النيابة في الحج حيث كان سؤال الخثعمية عن ذلك و إليك نص الحديث بلفظ البخاري عن ابن عباس. قال: كان الفضل رديف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فجائت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها و تنظر اليه فجعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يصرف وجه الفضل الى الشق الأخر فقالت ان فريضة اللّه أدركت أبى شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أنا حج عنه قال نعم و ذلك في حجة الوداع انتهى.
و في الفتح في رواية الطبري عن على و قال في آخره رأيت غلاما حدثا و جارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان و للحديث ألفاظ أخر تريها في المصادر التي سردناها لك.
الوجه السادس مكاتبة الصفار قال كتبت الى أبى محمد الى أن قال فوقع تتنقب و تظهر للشهود التهذيب ج ٧ ص ٢٥٥ بالرقم ٦٦٦ و الاستبصار ج ٣ ص ١٩ بالرقم ٥٨ و الفقيه ج ٣ ص ٤٠ بالرقم ١٣٧ و فيه: و هذا التوقيع عندي بخطه (عليه السلام).
و فيه أنها لا تدل على وجوب التنقب لاحتمال كون الأمر بالتنقب من جهة إباء المرأة عن التكشف لكونها متسترة مستحيية عن أن تبرز للرجال فان ذلك مما يشق على كثير من النساء و ان كان جائزا إذ رب جائز يشق من جهة الغيرة و المروءة فإن النظر الى من يريد تزويجها جائز اتفاقا مع أنه شاق على كثير من النساء و أهليهن سيما الابكار من أولي الاخطار.
و مع ذلك أمر الإمام بالكشف للشهود.
فان لم يكونوا رأوها قبل ذلك فكيف يعرفونها مع عدم الاكتفاء بمعرفة الصوت و ان كانوا رأوها؟ فمع حرمة النظر يخرجون عن قابلية الشهادة لفسقهم و ليس في الحديث أن اتفق نظرهم إليها قبل ذلك.
فالحديث إذا على الجواز أدل مثل حديث ابن يقطين المروي في الكتب الثلاثة الموضع المتقدم و الكافي ج ٢ ص ٣٥٥ و فيه: فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها و على إقرارها دون أن تسفر و ينظرون إليها و القول بأن الاسفار هيهنا للضرورة مدفوع بأن الكلام في رؤيتهم قبل ذلك حتى يعرفوها عند الشهادة.
الوجه السابع: جريان السيرة بمنع النساء أن يخرجن منكشفات و الإطباق في الأعصار على المنع من خروجهن سافرات. و الجواب أنه مخالف للوجدان و العيان فان الناس مختلفة في ذلك في الأزمنة و الأمكنة مع احتمال استناده إلى الغيرة و الاحتجاب عن الناظر بشهوة قال في جامع المقاصد: حتى أنه لو علم اطباقهم على وجوبه لم يدل على المراد لانه لم يتحقق الاحتجاب عن الناظر بشهوة الا بالاحتجاب مطلقا لان القصود لا يطلع عليها انتهى.
الوجه الثامن أن النظر مظنة للفتنة فالاليق بمحاسن الشرع حسم الباب و الجواب المنع على سبيل الإطلاق و لو سلم فلا يوجب الحرمة و قال العلامة الأنصاري في الجواب أن المعهود من الشارع حسم الباب في أمثال هذه المظان بالحكم بالكراهة دون التحريم كما يعلم بالتتبع في الأحكام الشرعية مع ان هذا استحسان لا نقول به انتهى.
قلت و أصل الاستدلال انما يصح على مبنى المالكية حيث يقولون بقاعدة سد الذرائع و يجعلونها أصلا من أصول الأحكام أنظر البحث في ذلك في الفروق للقرافى ج ٢ ص ٣٢ الى ص ٣٤ الفرق الثامن و الخمسين الفرق بين قاعدة المقاصد و قاعدة الوسائل و تهذيب الفروق المطبوع بهامشه للشيخ محمد على مفتى المالكية بمكة المكرمة بأني طبع الفروق في ١٣٤٥ من ص ٤١ الى ص ٤٥ و تبعهم في تلك القاعدة أحمد و ابن تيمية و أطال الكلام فيها ابن القيم الجوزية في إعلام الموقعين ج ٣ من ص ١٤٧ الى ص ١٧١ و أكثر من الأمثلة و أنهاها إلى تسعة و تسعين مثالا.
و حاصل القاعدة انهم يقولون إذا حرم الرب شيئا و له طرق و وسائل تفضي إليه فإنه يحرمها و يمنع منها تحقيقا لتحريمه و تثبيتا و منعا من ان يقرب حماه و يسمون ما تتضمن المصلحة و المفسدة بأنفسها بالمقاصد و الطرق المفضية إلى المقاصد بالوسائل و الذرائع.
و يظهر من الفروق أن القاعدة ليست من خواص مالك بل هو مذهب الفقهاء الأخر أيضا و ان لم يتفقوا في حدود ما يأخذون منها و يتركون ثم استحسن تعميم القاعدة و الحكم بتبعية الوسائل حكم المقاصد في الوجوب و الكراهة و الندب و الحرمة و الإباحة و قال ان الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها و تكره و تندب و تباح و حاصله لزوم تبعية المقدمة لحكم ذي المقدمة في الأحكام الخمسة و ان لم يقع منه هذا التعبير و مثله في تهذيب الفروق. و أما الشيعة الإمامية فالمحققون منهم على عدم التبعية، و أفصح البيان فيه العلامة المظفر في كتابه أصول الفقه ج ٢ ص ٨٤ و ص ٨٥ فراجع هذا في مقدمة الواجب و أما مقدمة الحرام فلم يقولوا بتبعيته أصلا في غير ما لا يتمكن معه المكلف من ترك الحرام.
قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه) في الكفاية بعد الفراغ عن بحث مقدمة الواجب:
تتمة: لا شبهة في ان مقدمة المستحب كمقدمة الواجب فتكون مستحبة لو قيل بالملازمة و أما مقدمة الحرام و المكروه فلا يكاد يتصف بالحرمة و الكراهة إذ منها ما يتمكن معه من ترك الحرام أو المكروه اختيارا كما كان متمكنا قبله فلا دخل له أصلا في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه فلم يترشح من طلبه طلب ترك مقدمتها.
نعم ما لا يتمكن معه من الترك لا محالة يكون مطلوب الترك و يترشح من طلب تركها طلب ترك خصوص هذه المقدمة فلو لم يكن مقدمة لا يبقى معها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة مقدمة من مقدماته انتهى كلامه رفع مقامه و أورد على نفسه بإيراد و أجاب عنه فمن شاء فليراجع.
و مما يبين الحرمة قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الحديث المشهور المار بمصادره في ص ٩٤ و ص ٣٥٤ الى ص ٣٥٦ من المجلد الأول من هذا الكتاب بألفاظه المختلفة من طرق الفريقين ان من رتع حول الحمى أو شك ان يقع فيه أو ان يخالطه فان التعبير بأوشك دال على ان ما حول الحمى ليس من الحمى انما حسن مجانبته لئلا يقع في الحمى و الا من رتع حول الحمى و لم يخالطه فلا يتعقبه و بال الوقوع في الحمى.
ففي مسئلتنا من نظر الى الأجنبية وجهها و لم ينته ذلك الى الوقوع في محرم لا يكتب عليه ذنب فان وقع ذلك مكررا لا يضر بعدالة الناظر من جهة عنوان الإصرار فإن انتهى الى المحرم لا يعاقب عقابا زائدا على ما وقع فيه كما قلنا في التمتع بما دون السرة من الحائض أنه ان اتقى موضع الدم لا يكتب عليه ذنب فان انتهى الى الوقوع في موضع الدم لا يعاقب زائدا على مخالفة اتقاء موضع الدم.
فالنواهى الصادرة في أمثال تلك الموارد انما هي للإرشاد ليست بأحكام مولوية تأسيسية عن الشارع متوجهة إلى المقدمات و الوسائل و الذرائع. و أما أمثلة ابن القيم الجوزية فنقول فيما صح منه من الأمثلة: انا انما ننكر تبعية المقدمة لحكم ذي المقدمة و نقول ان للمقدمة حكمها المستقل المأخوذ من أدلته الخاصة و لا ننكر إمكان جعل الحكم الشرعي للمقدمة في موارد و ان يتخذ الشارع احتياطات لبعض ملاكات أحكامه التي يحرص ان لا يفوتها المكلف بحال فيأمر أو ينهى عن بعض ما يفضي إليها تحقيقا لهذا الغرض.
الا ان ذلك لا تتخذ طابع القاعدة العامة و ليس فيما أكثر من الأمثلة ما يصلح لان يتمسك بعمومه أو إطلاقه لتحريم جميع المقدمات التي تقع في طريق المحرمات مهما كان نوعها و ليس علينا الا ان نتقيد بخصوص هذه المواقع التي ثبت لها التحريم.
مع ان في كون النهي في كثير من أمثلته كذلك نظرا مثلا قال في خطبة المعتدة عدة الوفاة أن الحرمة لكون الخطبة ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة و الكذب على انقضاء عدتها و كون تحريم الطيب للمحرم لكونه من أسباب دواعي الوطي فتحريمه من باب سد الذريعة.
و قال ان النهي عن البيع وقت النداء لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضور الجمعة و ليس في أدلتها ما يصرح بأن التحريم انما هو لأجل كونها وسيلة لا لمفاسد في ذاتها توجب لها التحريم و مع الشك في النفسية و الغيرية مقتضى الإطلاق النفسية لان الغيرية مما تحتاج الى بيان زائد و مع عدمه و هو في مقام البيان فالظاهر العدم و يطول لنا الكلام بذكر كل فرد من أمثلته و الجواب عن كل بما يناسبه.
و استدل القائل بحرمة الزائد على النظر مرة أي في وقت واحد عرفا بالنبوي المشهور لا تتبع النظرة بالنظرة فإن الأولى لك و الثانية عليك و مرسلة الفقيه أول نظرة لك و الثانية عليك و لا لك و الثالثة فيها الهلاك و حسنة الكاهلي النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة و كفى لصاحبها فتنة تراها و أمثالها في الوسائل الباب ١٠٤ من أبواب مقدمات النكاح.
قال في المستند: و الجواب عنها مضافا الى عدم صراحتها في التحريم إن النظرة فيها مجملة فلعل المراد من النظرة الأولى الاتفاقية الواقعة على ما يحرم النظر اليه مما عدا الوجه و الكفين انتهى.
و قال في الجواهر هو أضعف قول في المسئلة تأباه أدلة كلا الطرفين و لم يتعرض الشيخ (قدّس سرّه) لأدلة هذا القول و اكتفى بذكر أن أدلتهم ضعيفة قلت و لا يخفى عليك ان سياق الكلام في الأحاديث المستدل بها سياق الإرشاد ليست لإثبات حكم مولوي.
فاتضحت المسئلة بحمد اللّه تعالى و تبين أنه لم يثبت حرمة شرعية مولوية تأسيسية للنظر الى وجه الأجنبية و كفيها من غير ريبة بحيث يترتب عليه اثم و لو وقع مكررا فلا يضر التكرار بعدالة الناظر من غير ريبة و كذا ابدائها.
و مع ذلك فاللازم على المسلمين التجنب مع خوف الفتنة لكن لا بمعنى ثبوت حكم مولوي شرعي بذلك بل انما هو بحكم العقل تثبيتا لحرمات اللّه و منعا من ان يقرب حماه و مع الأمن و عدم الخوف لا مانع منه أصلا و اللّه العالم بالصواب.