تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٦٧ - ما امر به على بن ابى طالب من عمل الجسر على الفرات
اهل الشام، و قد دعوناهم فلم يجبنا منهم احد، فمرنا بأمرك فأرسل على الى الاشتر، [فقال: يا مالك، ان زيادا و شريحا ارسلا الى يعلماني انهما لقيا أبا الأعور السلمى في جمع من اهل الشام، و أنبأني الرسول انه تركهم متواقفين، فالنجاء الى أصحابك النجاء، فإذا قدمت عليهم فأنت عليهم و إياك ان تبدا القوم بقتال الا ان يبدءوك حتى تلقاهم فتدعوهم و تسمع، و لا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم، و الاعذار اليهم مره بعد مره، و اجعل على ميمنتك زيادا، و على ميسرتك شريحا، وقف من أصحابك وسطا، و لا تدن منهم دنو من يريد ان ينشب الحرب، و لا تباعد منهم بعد من يهاب الباس حتى اقدم عليك، فانى حثيث السير في اثرك ان شاء الله] قال: و كان الرسول الحارث بن جمهان الجعفى، فكتب على الى زياد و شريح:
اما بعد، فانى قد امرت عليكما مالكا، فاسمعا له و أطيعا، فانه ممن لا يخاف رهقه و لا سقاطه و لا بطؤه عما الاسراع اليه احزم، و لا الاسراع الى ما الإبطاء عنه امثل، و قد امرته بمثل الذى كنت أمرتكما به الا يبدأ القوم حتى يلقاهم فيدعوهم و يعذر اليهم.
و خرج الاشتر حتى قدم على القوم، فاتبع ما امره على و كف عن القتال فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم ابو الأعور السلمى، فثبتوا له، و اضطربوا ساعه ثم ان اهل الشام انصرفوا، ثم خرج اليهم من الغد هاشم بن عتبة الزهري في خيل و رجال حسن عددها و عدتها، و خرج اليه ابو الأعور فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال، و صبر القوم بعضهم لبعض، ثم انصرفوا، و حمل عليهم الاشتر، فقتل عبد الله بن المنذر التنوخي، قتله يومئذ ظبيان بن عمار التميمى، و ما هو الا فتى حدث، و ان كان التنوخي لفارس اهل الشام، و أخذ الاشتر يقول:
ويحكم! أروني أبا الأعور.
ثم ان أبا الأعور دعا الناس، فرجعوا نحوه، فوقف من وراء المكان الذى كان فيه أول مره، و جاء الاشتر حتى صف اصحابه في المكان الذى كان فيه ابو الأعور، فقال الاشتر لسنان بن مالك النخعى: انطلق الى ابى الأعور