تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٠٩ - ذكر الخبر عن السبب الذى من اجله امر عثمان رضى الله عنه عبد الله ابن عباس رضى الله عنه ان يحج بالناس في هذه السنه
اما بعد، فان الله عز و جل رضى لكم السمع و الطاعة و الجماعه، و حذركم المعصية و الفرقة و الاختلاف، و نبأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، و تقدم إليكم فيه ليكون له الحجه عليكم ان عصيتموه، فاقبلوا نصيحه الله عز و جل و احذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمه هلكت الا من بعد ان تختلف، الا ان يكون لها راس يجمعها، و متى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا، و سلط عليكم عدوكم، و يستحل بعضكم حرم بعض، و متى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، و تكونوا شيعا، و قد قال الله جل و عز لرسوله ص:
«إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» و انى اوصيكم بما اوصاكم الله، و احذركم عذابه، فان شعيبا(ص)قال لقومه: «وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ» الى قوله:
«رَحِيمٌ وَدُودٌ».
اما بعد، فان أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس انما يدعون الى كتاب الله عز و جل و الحق، و لا يريدون الدنيا و لا منازعه فيها، فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق، و نازع عنه حين يعطاه، و منهم تارك للحق و نازل عنه في الأمر، يريد ان يبتزه بغير الحق، طال عليهم عمرى، و راث عليهم املهم الإمرة، فاستعجلوا القدر، و قد كتبوا إليكم انهم قد رجعوا بالذي اعطيتهم، و لا اعلم انى تركت من الذى عاهدتهم عليه شيئا، كانوا زعموا انهم يطلبون الحدود، فقلت: أقيموها على من علمتم تعداها في احد، أقيموها على من ظلمكم من قريب او بعيد.
قالوا: كتاب الله يتلى، فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما انزل الله في الكتاب و قالوا: المحروم يرزق، و المال يوفى ليستن فيه السنه الحسنه، و لا يعتدى في الخمس و لا في الصدقه، و يؤمر ذو القوه و الأمانة،