تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٦٠ - ذكر الخبر عن غزوه معاويه إياها
و كتب اليه ملك الروم: ما بين الحق و الباطل؟ فكتب اليه: اربع أصابع الحق، فيما يرى عيانا، و الباطل كثيرا يستمع به فيما لم يعاين.
و كتب اليه ملك الروم يسأله عما بين السماء و الارض و بين المشرق و المغرب، فكتب اليه: مسيره خمسمائة عام للمسافر، لو كان طريقا مبسوطا.
قال: و بعثت أم كلثوم بنت على بن ابى طالب الى ملكه الروم بطيب و مشارب و احفاش من احفاش النساء، و دسته الى البريد، فابلغه لها، و أخذ منه و جاءت امراه هرقل، و جمعت نساءها، و قالت: هذه هديه امراه ملك العرب، و بنت نبيهم، و كاتبتها و كافاتها، و اهدت لها، و فيما اهدت لها عقد فاخر فلما انتهى به البريد اليه امره بإمساكه، و دعا: الصلاة جامعه، فاجتمعوا، فصلى بهم ركعتين، و قال: انه لا خير في امر ابرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هديه أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فاهدت لها امراه ملك الروم، فقال قائلون: هو لها بالذي لها، و ليست امراه الملك بذمه فتصانع به، و لا تحت يدك فتتقيك.
و قال آخرون: قد كنا نهدى الثياب لنستثيب، و نبعث بها لتباع، و لنصيب ثمنا فقال: و لكن الرسول رسول المسلمين، و البريد بريدهم، و المسلمون عظموها في صدرها فامر بردها الى بيت المال، و رد عليها بقدر نفقتها.
كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة، عن خالد بن معدان، قال: أول من غزا في البحر معاويه بن ابى سفيان زمان عثمان بن عفان، و قد كان استاذن عمر فيه فلم يأذن له، فلما ولى عثمان لم يزل به معاويه، حتى عزم عثمان على ذلك باخره، و قال: لا تنتخب الناس، و لا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله و اعنه، ففعل و استعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي حليف بنى فزاره، فغزا خمسين غزاه من بين شاتيه و صائفه في البحر، و لم يغرق فيه احد و لم ينكب،