تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢١٧ - ذكر بعض خطبه رضى الله تعالى عنه
ثم جعل لكم سمعا و بصرا و من نعم الله عليكم نعم عم بها بنى آدم، و منها نعم اختص بها اهل دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصها و عوامها في دولتكم و زمانكم و طبقتكم، و ليس من تلك النعم نعمه وصلت الى امرئ خاصه الا لو قسم ما وصل اليه منها بين الناس كلهم اتعبهم شكرها، و فدحهم حقها، الا بعون الله مع الايمان بالله و رسوله، فأنتم مستخلفون في الارض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبح أمه مخالفه لدينكم الا امتان، أمه مستعبده للإسلام و اهله، يجزون لكم، يستصفون معايشهم و كدائحهم و رشح جباههم، عليهم المئونة و لكم المنفعه، و أمه تنتظر وقائع الله و سطواته في كل يوم و ليله، قد ملا الله قلوبهم رعبا، فليس لهم معقل يلجئون اليه، و لا مهرب يتقون به، قد دهمتهم جنود الله عز و جل و نزلت بساحتهم، مع رفاغه العيش، و استفاضه المال، و تتابع البعوث، و سد الثغور باذن الله، مع العافيه الجليله العامه التي لم تكن هذه الامه على احسن منها مذ كان الاسلام، و الله المحمود، مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى ان يبلغ مع هذا شكر الشاكرين و ذكر الذاكرين و اجتهاد المجتهدين، مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، و لا يقدر قدرها، و لا يستطاع أداء حقها الا بعون الله و رحمته و لطفه! فنسأل الله الذى لا اله الا هو الذى أبلانا هذا، ان يرزقنا العمل بطاعته، و المسارعة الى مرضاته.
و اذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، و استتموا نعمه الله عليكم و في مجالسكم مثنى و فرادى، فان الله عز و جل قال لموسى: «أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» و قال لمحمد ص:
«وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ» فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبه من الحق، تؤمنون بها، و تستريحون إليها، مع المعرفة بالله و دينه، و ترجون بها الخير فيما بعد الموت، لكان ذلك، و لكنكم كنتم أشد الناس معيشة، و اثبتهم بالله جهاله فلو كان هذا الذى استشلاكم