تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٦٩ - ذكر مصير يزدجرد الى خراسان و ما كان السبب في ذلك
إليهما النهر مهزوما، و قد استتب فانجده خاقان- و الملوك ترى على أنفسها انجاد الملوك- فاقبل في الترك، و حشر اهل فرغانه و الصغد، ثم خرج بهم، و خرج يزدجرد راجعا الى خراسان، حتى عبر الى بلخ، و عبر معه خاقان، فارز اهل الكوفه الى مرو الروذ الى الأحنف، و خرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف بمرو الروذ و كان الأحنف حين بلغه عبور خاقان و الصغد نهر بلخ غازيا له، خرج في عسكره ليلا يتسمع: هل يسمع براى ينتفع به؟ فمر برجلين ينقيان علفا، اما تبنا و اما شعيرا، و أحدهما يقول لصاحبه:
لو ان الأمير اسندنا الى هذا الجبل، فكان النهر بيننا و بين عدونا خندقا، و كان الجبل في ظهورنا من ان نؤتى من خلفنا، و كان قتالنا من وجه واحد رجوت ان ينصرنا الله فرجع و اجتزا بها، و كان في ليله مظلمه، فلما اصبح جمع الناس، ثم قال: انكم قليل، و ان عدوكم كثير، فلا يهولنكم، ف كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، ارتحلوا من مكانكم هذا، فأسندوا الى هذا الجبل، فاجعلوه في ظهوركم، و اجعلوا النهر بينكم و بين عدوكم، و قاتلوهم من وجه واحد ففعلوا، و قد أعدوا ما يصلحهم، و هو في عشره آلاف من اهل البصره و اهل الكوفه نحو منهم و اقبلت الترك و من اجلبت حتى نزلوا بهم، فكانوا يغادونهم و يراوحونهم و يتنحون عنهم بالليل ما شاء الله و طلب الأحنف علم مكانهم بالليل، فخرج ليله بعد ما علم علمهم، طليعه لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان فوقف، فلما كان في وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه، و ضرب بطبله، ثم وقف من العسكر موقفا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله، و هو يرتجز و يقول:
ان على كل رئيس حقا* * * ان يخضب الصعده او تندقا
ان لنا شيخا بها ملقى* * * سيف ابى حفص الذى تبقى
ثم وقف موقف التركى و أخذ طوقه، و خرج آخر من الترك، ففعل