أرجوزة في الفقه - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ٢٥٦ - سرّ
عيّن بيتا و ابتلى ودادهم * * * أذّن غرّ آذنوا فؤادهم
التبتّل المذكور و أقبل الخلق على الشهوات بعث اللّه تعالى نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لإحياء طريق الآخرة و تجديد سنّة المرسلين في سلوكها [١]، فسأله أهل الملل عن الرهبانيّة المباحة في دينه، فقال [٢]: «أبدلنا بها الجهاد و التكبير على كلّ شرف» يعني الحجّ، فإنّه ترك الموطن و الأهل و المال و غيرها.
(عيّن) أي الحقّ (بيتا) لنفسه الأقدس مع كونه وجودا بسيطا محيطا مجرّدا عن الماهيّة، فضلا عن المادّة و العوارض- من الأحياز و الجهات و الكميات و الكيفيّات- (و) لكن (ابتلى) و اختبر (و ودادهم) و مثّل لهم جلاله بأوضاع الملوك.
(أذّن غرّ) أي أنبياؤه الغرّ المكرّمون* * * كما في الآثار [٣] «إنّ إبراهيم (عليه السلام) لمّا فرغ من بناء البيت جاءه جبرئيل (عليه السلام) فأمره أن يؤذّن في الناس. فقال إبراهيم: «يا ربّ، ما عسى أن يبلغ صوتي». قال اللّه تعالى: «أذّن و عليّ البلاغ» فعلا إبراهيم المقام حتّى صار كأطول ما يكون من الجبال و أقبل بوجهه يمينا و شمالا و شرقا و غربا و نادى: «يا أيّها الناس كتب عليكم الحجّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فأجيبوا ربّكم»، فأجابه من كان في أصلاب الرجال و أرحام النساء: «لبّيك اللهمّ لبّيك».».
و كما في القرآن المجيد وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [٢٢/ ٢٧].
[١] م: سلوكه.
[٢] في المعجم الكبير للطبراني (٦/ ٦٢، ح ٥٥١٩): «. إن عثمان بن مظعون قال: يا رسول اللّه، ائذن لي في الاختصاء؟ فقال له: يا عثمان، إن اللّه قد أبدلنا بالرهبانية الحنفية السمحة و التكبير على كل شرف، فإن كنت منّا فاصنع كما نصنع». عنه كنز العمال:
٢/ ٤٧، ح ٥٤١٩.
[٣] راجع تفسير علي بن إبراهيم: ٢/ ٨٣، سورة الحج الآية ٢٧.