المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٢٧٩ - نقل و نقد
الحكم الواقعى هو وجوب هذا و عدم وجوب ذاك او وجوب ذاك و عدم وجوب هذا، و حينئذ فجعل الحجية للاول يتوقف على عدم جعل الحجية للثانى و بالعكس فيقع التزاحم، و حيث ان مفاد دليل الاعتبار حجية كل منهما يقع لا محالة التكاذب فى الظهورين، و حيث لا تعيين و لا ترجيح يحكم بالتساقط. و لاجل ذلك لا يمكن استكشاف الملاك بالكلية، اذ استكشافه فرع بقاء دليل الاعتبار بحاله و المفروض عدمه.
و الفرق بين المقام و بين ما كان التزاحم بحسب عالم الامتثال كما فى مسألة وجوب الصلاة و الازالة ان فى هذه المسألة يجوز للمكلف الجمع بين الامر بالصلاة و الامر بالإزالة، اذ قد تقدم فى غير مقام ان الجاعل فى مقام الجعل ليس إلّا فى مقام اداء ما هو مطلوبه و مبغوضه من دون ان يكون ناظرا الى مقام الامتثال، بل هو مقام يحكم فيه العقل بعد احراز امر الجاعل، و لاجل ذلك انما يستكشف وجود الملاك فى كل من الصلاة و الازالة و لو فى مورد التزاحم، فان الوجه فيه ان امر المولى ليس إلّا فى مقام بيان ان المامور به مطلوبه، و كذلك نهيه انما هو فى مقام بيان ان المنهى عنه مبغوضه، سواء تمكن المكلف منه او لم يتمكن. نعم فى صورة عدم تمكنه يحكم العقل بانه معذور و لو كان ملاك الحكم بحاله من دون ان يؤثر عدم التمكن فى رفع الحب و البغض. و هذا مثل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ» [١] او «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ» [٢] فان الخطاب عام شامل لجميع المؤمنين، سواء كانوا متمكنين او غيرهم، فانه فى مقام ان ملاك الوجوب موجود فى الصيام و القتال و هو مطلوب المولى، و يتأسف على فوته، سواء كان الفوت مع التمكن او مع عدمه، غاية الامر ان فى الاول يعاقب العبد و فى الثانى لا يعاقبه من جهة انه معذور لا من جهة انه لا يتأسف. و بالجملة الاوامر و النواهى الشرعية ليست إلّا فى مقام بيان اعلام المطلوبات و المبغوضات لا فى مقام التكليف و البعث و الزجر الفعليين من جميع الجهات، و إلّا يقبح خطاب العام بالصيام و القتال. اذا عرفت هذا نقول: عدم تمكن المكلف من الجمع بين الصلاة و الازالة فى مقام الامتثال لا يستلزم عدم امكان ان يجمع المكلف بين الامر بهما، اذ قد عرفت انه ناظر الى بيان المطلوب و المبغوض من دون النظر الى مقام
[١]- البقرة، الآية ١٨٣.
[٢]- سورة البقرة، الآية ٢١٦.