المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٢٢٨ - الكتاب
و الانصاف قصورها عن اثبات المرام، اذ ظاهرها انها راجعة الى مقام المعاشرة و مطلوبية القول الحسن فى مقام السلوك مع الناس، نظير قوله تعالى وصية لموسى و هارون: «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى» [١] و معلوم ان حسن القول و رعاية آداب الكلام فى العشرة مع الناس غير ترتيب آثار الصحة على الاعمال الصادرة عنهم.
ان قلت: هب ان ظهور الآية ذلك إلّا ان قرينة التفسير تصرفه، اذ هو لا يوافق بظاهره ظهور الآية. قلت: بعد تسليم قوة ظهور الآية فى المعنى المذكور يمكن التصرف فى ظهور الخبر بارادة مطلوبية المداراة فى القول الى ان يعلم عدم تاثير المداراة، و يؤيده قضية موسى مع فرعون، فانه تعالى امر اولا بان يحاج معه بالقول اللين ثم امر بتشديد الامر عليه فى القول و الفعل. و بالجملة مساق الآية بظاهرها مساق قوله تعالى: «وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [٢] و قوله تعالى «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً» [٣] فيكون اجنبيا عن المقام بالكلية، هذا مع انه لو اريد منها حسن القول فى ظرف الشك فى الحسن و خلافه لما تنهض لاثبات المطلوب ايضا، اذ مجرد مطلوبية القول الحسن فى حق الناس لا يقتضى مطلوبية ترتيب آثار الصحة على افعالهم، اذ من المحتمل حينئذ ارادة عدم رميهم بالخبث و سوء السريرة بمجرد صدور فعل منهم محتمل الحسن و القبح، و اين ذلك بما نحن بصدده، و الحاصل ان الاستدلال بالآية معرض لوجوه من الاشكال، فافهم.
و منها قوله تعالى: «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» [٤].
تقريب الاستدلال بها بعد العلم بان الظن المامور باجتنابه المحكوم بكونه اثما هو الظن السوء: ان التكليف باجتناب هذا الظن لكونه امرا غير اختياري حاصلا فى الغالب من دون اعمال القدرة فيه او فى مقدماته راجع الى وجوب الاجتناب عن ترتيب آثاره، فيجب لا محالة ترتيب آثار الصحة، لعدم الواسطة بين حرمة ترتيب آثار الفساد و وجوب ترتيب آثار الصحة.
و فيه: ان ظاهر الآية الشريفة حرمة ان يظن باحد سوء بمجرد صدور فعل منه
[١]- سورة طه، الآية ٤٤.
[٢]- سورة النحل، الآية ١٢٥.
[٣]- سورة طه، الآية ٤٤.
[٤]- سورة الحجرات، الآية ١٢.