المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ١٧٣ - إنارة
ان هذا الكلام لا يجري فى الاحكام التى ترد على الطبائع و الموجودات الذهنية التى قبل عروض وصف الوجود الخارجى لها كليّة.
الثانى السيرة المستمرة بين المسلمين من زمن النبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الى زماننا هذا، فانهم بسبب الامر المرتكز فى اذهانهم كانوا يقدمون الاصل الجاري فى السبب على الجاري فى المسبب، مثلا اذا شك احدهم فى طهارة الثوب و نجاسته مع سبق النجاسة فيه لاجل الشك فى طهارة الماء المغسول به الثوب كانوا يحكمون بجريان استصحاب الطهارة فى الماء، و بمجرد طهارته الثابتة بالاستصحاب لم يكونوا يعتنون باحتمال بقاء النجاسة فى الثوب.
و لعل من ادعى الاجماع اراد به السيرة العملية المذكورة، فلا يرد عليه بان مدرك المجمعين ليس هو النص كى يثبت به الحكم الشرعى. و بالجملة المعلوم من طريقة اهل الشرع رفع اليد عن الشك فى المسبب بمجرد جريان الاستصحاب فى السبب و تبين الحال فيه، و هذا يكفى دليلا، اذ يستكشف به انه كان المرتكز فى اذهانهم عدم جواز الاعتناء بالشك الذي نشأ من شك آخر اذا تبين الحكم فى ناحية الشك الثانى، و هذا يشعر بانهم تلقوا هذا الامر من ائمتهم، فصار لاجل كثرة الابتلاء به من ارتكازياتهم و الامر سهل.
الثالث صحيحة الاولى لزرارة، فان فيها قوله: «و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر» [١] حكم بعدم جواز نقض اليقين بالوضوء بالشك فيه، و مرجعه الى وجوب ترتيب آثار الوضوء من جواز الدخول فى الاعمال المشروطة بالطهارة و نحوه، و لا شبهة فى ان استصحاب الاشتغال فى نفس تلك الاعمال يقتضى وجوب الوضوء حتى يكون على يقين بالبراءة، فالحكم بعدم جواز نقض اليقين به دليل على تقدم الاصل الجاري فيه على استصحاب الاشتغال.
و لا يخفى ان هذا الاستدلال انما ينفع من يقول باستصحاب الاشتغال لا من يمنعه كظاهر الشيخ، حيث ان تقدم استصحاب الوضوء على اصالة الاشتغال امر معلوم تبين وجهه فى الفصل السابق عند التعرض لبيان حال الاستصحاب مع ساير الاصول، فلا
[١]- التهذيب ج ١ ص ٨ الباب ١؛ بحار الانوار ج ٢ ص ٢٧٤ الباب ٣٣