تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٧ - رموز قرآنية و لوائح ربانية
ثم لما كان المتقرر عند ذوي البصائر و الألباب- كما مر- ان القابض لطينة الإنسان هو المتوفي له و القابض لروحه، فتلك الطينة النباتية التي قبضت الملائكة ترابها، و جعل اللّه حياتها من الماء، فتلك الملائكة تتوفّاها و تقبض روحها إلى اللّه لقوله تعالى تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [١٦/ ٣٢ و ٢٨] و أما الخلقة الحيوانية الماشية التي قبضها الرسل و أحياها الرب سبحانه بأمره، فهم يأخذون روحها و يتوفونها لقوله تعالى تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ [٦/ ٦١] و أما السبخة الناطقة التي قبضها ملك الموت و أحياها اللّه تعالى بنفخة منه إسرافيلية، فيتوفاها ملك الموت لقوله في هذه الآية قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [٣٢/ ١١] و أما المادة القدسية و الخميرة المقدسة الإلهية التي قبضها اللّه تعالى و أحياها بروح القدس فهي التي يتوفّاها و يرفعها إليه لقوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [٣٩/ ٤٢] و قوله:
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [٥٨/ ١١] و قوله:
وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [٤٣/ ٣٢] فافهم و اغتنم.
و منها إنه قد انكشف عند أهل اللّه ان العالم كله أعني ما سوى اللّه حقيقة واحدة يشتمل على الخلق و الأمر، لقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ [٧/ ٥٤] و الأمر كله هو قلب العالم و روحه، لقوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١٧/ ٨٥] لأن نسبة أحدهما إلى الآخر كنسبة أحد جزئي الإنسان إلى الآخر، أي روحه و بدنه، بل هما روح الإنسان و بدنه صارا بالنزول الإنسان الجزئي، كما أن الإنسان الكامل يصير بالعروج عالما كبيرا، و هذا من الأمور المستبينة المستوضحة عند الراسخين في المعرفة، ثم التعانق بين هذا الأمر و هذا الخلق و الازدواج بين هذا العلوي و هذا السفلي هو حيوة العالم الكبير، كما أن التعانق و الازدواج بين روح الإنسان و بدنه هو حيوة العالم الصغير، فكذلك التفارق بينهما هو موت الإنسان الكبير و القيامة الكبرى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [٧٥/ ١] كما إن الافتراق بين روح الإنسان و بدنه