تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٨ - تبيين مقال لكشف حال
تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [٧٦/ ١].
ثم شرع في الصعود و الارتقاء إلى ما نزل منه و الرجوع إلى ما بدأ منه، فصار بالامتزاج و حصول المزاج طينا ثم منيّا فيه صورة حافظة للتركيب كالمعادن، ثم صار مضغة قابلة للنمو كالنبات، ثم صار علقة قابلة لأن يلجه الروح، ثم صار بشرا سميعا بصيرا، ثم رجلا بالغا انفتح بصره قليلا إلى ما وراء هذا العالم، كما قال سبحانه إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً [٧٦/ ٢- ٣] و هلم إلى أن يبلغ درجة العقول، بل العقل الأعظم و القلم الأعلى، لو لم يعقه العوائق و قواطع الطريق.
و أما كون زمان هذا الصعود و مدة هذا الارتقاء يوما كان مقداره ألف سنة فهو شيء لا يعلمه بخصوصه إلا علام الغيوب، أو من اصطفاه من رسوله، أو من ينتمي إلى وصيه، فإن مكث الإنسان في كل عالم و حضرة يمر عليها بحسب طول مسافة سفره و تهيئة أسباب ارتحاله و انتفاع كل عالم من وجوده، و استتمام أهل كل نشأة و مرتبة به و بخدمته، و إمداده و حسن تلقيّه أولا و مشايعته ثانيا، هو بحسب ما يدركونه فيه من شيمة العناية و أثر الاختصاص و شرف الاصطفاء، و ما من عالم يمرّ عليه إلا و هو بصدد التعويق في الانحراف المعنوي لغلبة صفة بعض الأرواح يتصل حكمه عليه، أو بعض الأفلاك الذي ينوط به طالع ولادته البدنية، أو بحسب دولة بعض الأسماء الإلهية المدبّر له. الذي هو طالعه الأسمائي قبل طالعه السمائي، فيعوق أو ينحرف عما يقتضيه حكم الاعتدال الجمعي الاستقامي الذي هو شأن من يختار النهاية من الأنبياء و الأولياء عليه السّلام، ثم الأمثل فالأمثل.
فإذا دخل عالم المولدات سيما من حين تعدى مرتبة المعدن إلى مرتبة النبات و عالمه- إن لم تصحبه العناية بحسن المعونة و المرافقة و الحراسة و الرعاية- حيف عليه فإنه بصدد آفات كثيرة، لأنه عند دخوله عالم النبات إن لم يكن محروسا معتنا به فقد ينجذب في بعض المناسبات التي يشتمل عليها جمعيته إلى نبات ردي لا يأكله حيوان و لا يأكله الأبوان أو أحدهما، و يفسد ذلك النبات فيخرج منه إلى عالم