تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٠ - مكاشفة
قال: نعم، أمّا أنا، فإنّي قد أصبحت في نعم اللّه و إحسان لا يحصى عددها و لا يؤدى شكرها، راضيا بما قسم لي و قدّر، صابرا لأحكامه، لا أريد لأحد من الخلق سوء، و لا أضمر له دغلا، و لا أنوي لهم شرا. نفسي في راحة، و قلبي في فسحة، و الخلق من جهتي في أمان. أسلمت لربي، مذهبي و ديني دين أبي إبراهيم عليه السّلام أقول كما قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١٤/ ٣٦] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [٥/ ١١٨].
و اعلم أيّها السالك إلى جوار اللّه أن أمثال هذه الآراء و الاعتقادات كثيرة، و أكثر هذه الجدليّات مؤلمة لنفوس معتقديها و معذبة لقلوبهم، و هو جزاء لنفوسهم و عقوبة لهم في الدنيا إلى وقت معلوم و أجل معدود و في الآخرة أشد و أدهى، و هي إذا اشتدت في الآخرة بحسب الظهور و التحقق صارت نيرانات ملتهبة نزّاعة للشوى و حرقات مشتعلة فظّاعة قطّاعة للقلوب كما أشار إليه بقوله: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى* وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى [٧٩/ ٣٦] و قوله: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ [١٠٢/ ٧].
و اعلم أنه لا يصل الإنسان إلى معرفة اللّه على الحقيقة إلا بعد جوازه على بعض هذه الآراء الفاسدة- إما في أيام صباه أو بعد ذلك- ثم إن اللّه يهدى من يتّقى الشرك به و ينجيه منها كما وعد و قال: إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [١٩/ ٧٢].